مقدمة:
برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ عام 2015 بوصفها الفاعل العسكري والسياسي الأبرز في شمال شرق سورية، مستندة إلى نموذج “الإدارة الذاتية الديمقراطية” وتحالف واسع مع مكونات إثنية ودينية. وقد سعت قسد إلى تثبيت شرعيتها المحلية والدولية عبر تقديم نفسها كضامن لحماية الأقليات في مواجهة مخاوف الانتقام الطائفي أو عودة السلطوية المركزية.
في المقابل، تبنّت الحكومة السورية الانتقالية، عقب اتفاق 10 مارس 2025، استراتيجية متعددة المستويات تستهدف تفكيك مرتكزات هذه الشرعية البديلة، عبر نقل الصراع من إطار “حماية الأقليات” إلى إطار “السيادة الوطنية ووحدة الدولة”.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أدوات هذه الاستراتيجية، وبيان نتائجها على توازن القوى الداخلي وعلى مستوى التدويل الخارجي للملف السوري.
تعتمد الورقة منهجاً تحليلياً مقارناً، يستند إلى قراءة التطورات الميدانية والسياسية خلال عامي 2025–2026، مع الاستفادة من أدبيات بناء الدولة وإدارة التعددية بعد النزاعات.
أولاً: مؤتمرات قسد وبناء تحالفات المكونات:
سعت قسد إلى توسيع قاعدة شرعيتها عبر مؤتمرين رئيسيين:
- مؤتمر وحدة المكونات (الحسكة – أغسطس 2025)
والذي طرح نموذج الإدارة الذاتية كأساس لسورية لا مركزية، واعتبر قسد نواة لجيش وطني جديد، مع حضور رمزي لقيادات روحية من الطائفتين الدرزية والعلوية.
حيث مثّل المؤتمر محاولة لتحويل تحالف الأقليات إلى مظلة سياسية بديلة عن الدولة المركزية. - مؤتمر الوحدة الكردية (القامشلي – أبريل 2025)
حيث هدف إلى توحيد الموقف الكردي داخلياً وربطه بإقليم كردستان العراق، مع المطالبة بحل القضية الكردية ضمن إطار لا مركزي واسع.
بينما اعتبرت دمشق هذين المسارين تجاوزاً لاتفاق 10 مارس، ومحاولة لإنتاج شرعية موازية تمهّد لتكريس أمر واقع سياسي وعسكري.
ثانياً: استراتيجية الحكومة في سحب أوراق الأقليات:
اتبعت الحكومة الانتقالية نهجاً تدريجياً لسحب الذرائع التي تستند إليها قسد:
- العلويون:
فبعد اضطرابات الساحل في مارس 2025، اعتمدت الحكومة مزيجاً من الحزم الأمني والمصالحات المجتمعية والعفو الجزئي وفتح فرص اقتصادية، ما أدى إلى فصل المسار العسكري المتشدد عن الحراك المدني المطلبي، وإضعاف قابلية استثمار الورقة العلوية سياسياً. - الدروز:
حيث أفضت تفاهمات أمنية إقليمية إلى تحييد الدعم الخارجي لبعض الميليشيات، وفتح باب دمج القوى المحلية ضمن الجيش الوطني، وبما أعاد الملف الدرزي إلى الإطار السيادي الداخلي. - المسيحيون:
عبر لقاءات مباشرة مع المرجعيات الكنسية وتعيينات رمزية في الحكومة، نجحت دمشق في استعادة ثقة المؤسسات الروحية، وإغلاق نافذة التحالف بين قسد والقيادات المسيحية. - الأكراد:
جاء المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 ليشكّل نقطة التحول الأهم، عبر الاعتراف الدستوري بالهوية الثقافية الكردية، وإعادة الجنسية للمجردين منها، واعتماد الكردية لغة وطنية، وإقرار نوروز عطلة رسمية.
وهو ما سحب من قسد أبرز أوراقها التعبوية داخلياً وخارجياً.
ثالثاً: تحييد ملف الأقليات عن التدويل الدولي:
لا يقتصر أثر هذه الإجراءات على الداخل السوري، بل يمتد إلى نزع الطابع الدولي عن ملف الأقليات.
فكلما توسعت الضمانات الدستورية والسياسية، تراجعت قدرة القوى الخارجية على تبرير التدخل تحت عنوان “حماية المكونات”.
وبهذا ينتقل الملف من خانة النزاع الدولي المفتوح إلى خانة “المراقبة والتحرّي”، بما يعني اعترافاً ضمنياً بشرعية الدولة المركزية في إدارة تنوعها الداخلي.
ويمثل ذلك تحولاً نوعياً في ميزان الشرعية بين دمشق وخصومها، ويمنح الحكومة الانتقالية ضوءاً أخضر سياسياً غير معلن لاستكمال مشروع توحيد الجغرافيا السورية، دون مخاطر تدخل خارجي واسع.
رابعاً: الأبعاد العسكرية والسياسية للتحول:
عسكرياً، يؤدي تحييد ملف الأقليات إلى إعادة تعريف أي مواجهة محتملة مع قسد بوصفها نزاعاً سيادياً داخلياً، لا صراعاً لحماية مكونات مهددة، ما يقلص احتمالات الغطاء الدولي لأي تصعيد ضد الدولة.
سياسياً، تعكس توجهات القيادة الانتقالية — ولا سيما خطاب الرئيس أحمد الشرع — انتقالاً من نموذج “تحالف المكونات” إلى نموذج “عقد المواطنة”، بما ينسجم مع الأدبيات الحديثة لبناء الدولة بعد الحروب الأهلية.
دولياً، تفتح هذه المقاربة الباب أمام إعادة تموضع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من سياسة الاحتواء إلى سياسة دعم الاستقرار، خصوصاً في ظل توجه إدارة الرئيس ترامب إلى تخفيض الانخراط العسكري المباشر مقابل دعم أنظمة محلية قادرة على فرض الأمن وضبط الحدود ومحاربة الإرهاب.
خاتمة:
تشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة السورية الانتقالية نجحت إلى حد بعيد في تفكيك البنية السياسية التي استندت إليها قسد لتبرير استقلالها العسكري والإداري.
ومع تحييد ملف الأقليات عن التدويل، وانتقال الخطاب الرسمي نحو عقد اجتماعي جامع، تنتقل المبادرة الاستراتيجية من الأطراف اللامركزية إلى الدولة المركزية.
غير أن هذا المسار يبقى مشروطاً بقدرة دمشق على تحويل الضمانات المعلنة إلى سياسات مستدامة للعدالة الانتقالية والمشاركة السياسية، تفادياً لإعادة إنتاج أسباب الصراع.
التوصيات:
- ترسيخ الضمانات الدستورية للمواطنة المتساوية لضمان عدم عودة خطاب الحماية الطائفية.
- إطلاق برنامج عدالة انتقالية شامل يعالج مظالم المكونات كافة.
- استمرار الحوار مع القيادات المجتمعية لمنع إعادة تدويل ملفات المكونات.
- توظيف الدعم الدولي والزيارات العالمية لتوجيه رسائل دعم دولية للاستقرار.
وبذلك تكون الحكومة الانتقالية السورية وعلى رأسها الرئيس الشرع قد سحب البساط من جديد من مربع تحالف الأقليات إلى رقعة عقد المواطنة، نحو توحيد الخارطة السورية برمتها.
المراجع:
- Horowitz, D. Ethnic Groups in Conflict, University of California Press, 1985.
- Lijphart, A. Patterns of Democracy, Yale University Press, 1999.
- Paris, R. & Sisk, T. *
- The Dilemmas of Statebuilding, Routledge, 2009.
- Krasner, S. Sovereignty: Organized Hypocrisy, Princeton University Press, 1999.
- Tilly, C. War, State and Society, Cambridge University Press, 1992.
- International Crisis Group,
- Avoiding the Internationalization of Internal Conflicts, 2020.
- Carnegie Endowment, Post-conflict Social Contracts in the Middle East, 2022.
- UNDP, Governance for Peace Report, 2023.