قوات سورية الديمقراطية في المفترق الاستراتيجي

أصبحت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) محوراً حاسماً في معادلة الاستقرار السوري، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، الذي شكل تحولاً جيوبوليتيكياً هائلاً في الشرق الأوسط.
قسد، التي تشكلت كتحالف كردي-عربي-آشوري في 2015 لمواجهة تنظيم "داعش"، تسيطر اليوم على نحو ثلث مساحة سورية الشرقية والشمالية الشرقية، بما في ذلك حقول النفط الرئيسية في دير الزور وحقول الغاز في الرقة.
هذه السيطرة تُمثل نموذجاً لإدارة متعددة الإثنيات في منطقة تعاني من التقسيمات التاريخية.

ووفقاً لعدة تقارير منها تقرير صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 2024، فإنه يمكن لقسد أن تلعب دوراً إيجابياً في إعادة بناء سورية إذا تحولت من كيان عسكري إلى شريك سياسي، مما يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال منع عودة الإرهاب ودعم التنمية الاقتصادية عبر استغلال الموارد الطبيعية بشكل مشترك.
ومن منظور جيوبوليتيكي، يقع دور قسد في سياق التوازنات الإقليمية بين تركيا، التي ترى في قسد امتداداً لـ"حزب العمال الكردستاني" (PKK)، وإيران، التي تسعى للحفاظ على نفوذها في المناطق الشرقية، والولايات المتحدة، التي اعتمدت على قسد كشريك في مكافحة الإرهاب.

كما أشار تقرير معهد بروكينغز في ديسمبر 2024 بعنوان "ما بعد الأسد: سورية والمنطقة"، فإن قسد تمتلك القدرة على أن تكون جسراً للتنوع السوري، خاصة في ظل حكومة انتقالية، وإذا استغلت قسد هذه الفرصة، فيمكنها أن تساهم في منع تفكك سورية، وتعزيز السلام الإقليمي من خلال اتفاقات مثل اتفاق أضنة المعدل، الذي ينظم العلاقات التركية-السورية.
ومع ذلك، يتطلب ذلك اختيارات حكيمة في مواجهة الخيارات المتاحة بعد انسحابها الأخير من أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، واقتراب انسحابها عسكريا من مناطق دير حافر.

في هذا المقال سنستعرض الخيارات الرئيسية أمام قسد في هذه المرحلة الانتقالية، والهدف هو تقديم تحليل موضوعي يساعد في فهم المخاطر والفرص، مع نصيحة لقسد بتجنب التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى خسارتها، مع النظر في الآراء المعارضة التي ترى فيه ضرورة للحفاظ على السيطرة، واعتماد مسار سياسي يعزز نفوذها طويل الأمد لمصلحة الشعب السوري.

أ. التصعيد العسكري، مخاطر عودة الحرب إلى سورية في المرحلة الانتقالية:
يُعد خيار التصعيد العسكري أمام قسد، خاصة بعد انسحابها من الأشرفية والشيخ مقصود في 11 يناير 2026، سيناريو خطيراً يهدد بإعادة إشعال الصراع السوري على نطاق واسع.
وانطلاقا من تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في أكتوبر 2025 بعنوان "آفاق إصلاح القطاع الأمني في سورية ما بعد الأسد"، فإن أي تصعيد من قسد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الجيش السوري الجديد، المدعوم من تركيا، مما يعيد سورية إلى دوامة العنف التي أودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص منذ 2011.
وفي دير حافر، حيث أعلن الجيش السوري المناطق "مغلقة عسكرياً" في 13 يناير 2026، يشير تجمع القوات إلى استعداد لمواجهة، لكن التصعيد سيفاقم الوضع.
وهنا يمكن القول إن هذا السيناريو يحمل مخاطر هيكلية، مثل تقليل الدعم الأمريكي، حيث أعلن البنتاغون في فبراير 2025 خططاً لتقليل قواته في سورية إلى النصف، كما ذكر تقرير الكونغرس الأمريكي "سورية: الانتقال والسياسة الأمريكية" في سبتمبر 2025.
ومع ذلك، توجد آراء معارضة تدعم التصعيد كوسيلة للحفاظ على السيطرة.

فعلى سبيل المثال، يرى الباحث الكردي السوري أحمد أبو الخير، في مقال له في مجلة "ميدل إيست آي" في نوفمبر 2025، أن التصعيد ضروري لمنع الحكومة الانتقالية من فرض سيطرتها المركزية، مشيراً إلى تاريخ HTS في قمع الأقليات، كما حدث في إدلب قبل 2024. كذلك، يدعم السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، في تصريح له لشبكة فوكس نيوز في يناير 2026، استمرار الدعم العسكري لقسد لمواجهة التهديدات التركية، معتبراً أن الانسحاب الأمريكي "خيانة" قد يؤدي إلى عودة داعش، لكنه يرى في التصعيد فرصة لتعزيز الموقف التفاوضي.

وفي المقابل، يُحذر روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سورية، في مقال له في مجلة فورين أفيرز في مارس 2025: "الانسحاب الأمريكي سيترك قسد عرضة للهجمات التركية أو السورية، مما يعيد الإرهاب إلى المناطق الشرقية".
بالإضافة إلى ذلك، يشير تقرير راند كوربوريشن لعام 2020، المحدث في 2025 بعنوان "إعادة تصور الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط"، إلى أن التصعيد قد يعيد تنظيم "داعش"، الذي ما زال يحتفظ بقدرات في الصحراء السورية، كما حدث في 2019 عندما حاول الانسحاب الأمريكي المفاجئ.

أما اقتصادياً، فستكون كلفة عودة الحرب كارثية، حيث تعتمد سورية على إعادة الإعمار، وبحسب تقديرات البنك الدولي في 2025 فإنها تتوقع خسائر تصل إلى 500 مليار دولار إضافية إذا اندلع صراع جديد.
لذا، رغم الآراء الداعمة، يبدو التصعيد مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى خسارة قسد الاستراتيجية.

ب. الانتقال إلى العمل السياسي:
يمثل خيار ترك السلاح والانتقال إلى العمل السياسي، بدلاً من التصعيد، فرصة ذهبية لقسد لتعزيز دورها كضامنة للتنوع السوري.
وعلى افتراض أنه في ظل حكومة انتقالية يسيطر عليها تيار إسلامي واحد (HTS)، كما وصف تقرير كارنيغي في مارس 2025 "سورية الجديدة: وقف الانحدار الخطير"، يمكن لقسد، بطابعها العلماني والمتعدد الإثنيات، أن تساهم في دعم التنوع، مما يمنع تحول سورية إلى دولة أحادية اللون.
على أنه يتطلب هذا الخيار المشاركة في الدولة دون محاصصة طائفية، كما اقترح باحثون مثل دافنا راند في مقابلتها مع مركز ماساتشوستس للدراسات الدولية في 2025-2026، حيث شددت على أن "الانتقال السوري يحتاج إلى نموذج يضمن التمثيل بناءً على الكفاءة، لا الطائفة".

ومن منظور اجتماعي-سياسي، يمكن لقسد أن تعمل عبر مسار الدولة للدفع نحو اللامركزية، التي تلبي مصالح المناطق السورية المتنوعة.
كما أشار تقرير بروكينغز في 2025 "إعادة بناء سورية: من الطائفية إلى القبلية"، فإن اللامركزية ستسمح بإدارة محلية للموارد، مثل حقول النفط في الشمال الشرقي، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي.
قسد، التي أدارت إدارة ذاتية ناجحة نسبياً في الرقة والحسكة، يمكنها حشد تحالفات شعبية لهذا المسار، مستفيدة من خبرتها في مواجهة "داعش"، كما وثق تقرير المجموعة الدولية للأزمات في 2019، المحدث في 2025.
وعلى سبيل المثال، في اتفاق مارس 2025 تم الاعتراف بالأكراد كمكون أصيل، مع ضمان حقوق اللغة والإدارة المحلية، كما نشرت وكالة رويترز في 12 مارس 2025.

ومع ذلك، توجد آراء معارضة ترى في هذا الخيار مخاطر، مثل فقدان السيطرة العسكرية.
كما يحذر الباحث التركي سنان أولغن، في تقرير لمركز كارنيغي في أبريل 2025، من أن دمج قسد سياسياً قد يؤدي إلى تهميشها إذا استمرت HTS في سياساتها المركزية، مشيراً إلى انتهاكات سابقة في اتفاقات مشابهة.
كذلك، يرى بعض القادة الكرد في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، كما نقلت مجلة فورين بوليسي في يونيو 2025، أن الاندماج السياسي دون ضمانات عسكرية قوية قد يعرض الأكراد للتهديدات التركية، مستذكرين عملية "نبع السلام" في 2019.
ورغم ذلك، يعزز هذا الخيار المصلحة السورية العامة، حيث يمنع التقسيم ويبني دولة موحدة متعددة، كما قال المحلل تشارلز ليستر في نشرته الأسبوعية "سورية ويكلي" في يناير 2026، فإن دمج قسد سياسياً سيمنع التصعيد في مناطق مثل الرقة بل والحسكة، ويفتح أبواب الاستثمار الدولي، خاصة بعد رفع العقوبات الأمريكية في يونيو 2025، كما أعلن البيت الأبيض.

ج. البقاء على حالة اللاسلم واللاحرب:
أما خيار البقاء في حالة "اللاسلم واللاحرب"، فهو يعني الرهان على الدعم الأمريكي المستمر، لكنه رهان غير آمن في ظل سياسات إدارة دونالد ترامب الثانية، فوفقاً لتقرير ألجزيرة في 5 فبراير 2025، فإن ترامب لم يُخطر قسد رسمياً بخطط الانسحاب الأمريكي، لكن تقارير من إن بي سي نيوز في نفس الشهر، نقلاً عن مصادر في البنتاغون، أكدت أن الإدارة الأمريكية تخطط لسحب القوات في 30 أو 60 أو 90 يوماً، لدعم الحكومة المركزية في دمشق.
كما أكد وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان للكونغرس في يناير 2025 أن "الولايات المتحدة ستدعم دمج قسد في الدولة السورية، مع تقليل التواجد العسكري".

على أن هذا الخيار يبدو سيفشل المرحلة الانتقالية، كما حذر تقرير المجموعة الدولية للأزمات في مارس 2025 "سورية الجديدة: وقف الانحدار الخطير"، حيث سيؤدي إلى تجميد الوضع، مما يعيق الاستقرار والاستثمار.

ومع ذلك، توجد آراء داعمة لهذا الخيار كاستراتيجية انتظارية. حيث يرى الباحث نيكولاس هيراس في معهد نيو لاينز في مارس 2025 أن الحفاظ على الوضع الراهن يمنح قسد وقتاً لتعزيز تحالفاتها الدولية، خاصة مع أوروبا، مشيراً إلى أن الانسحاب الأمريكي قد لا يكون كاملاً، كما حدث في 2019 عندما عاد الدعم جزئياً. كذلك، يدعم بعض السياسيين الأمريكيين، مثل عضو الكونغرس آدم شيف، في تصريح لسي إن إن في ديسمبر 2025، الانتظار حتى تثبت الحكومة الانتقالية مصداقيتها، معتبراً أن "اللاسلم" يمنع التصعيد غير الضروري.
وفي دير حافر، حيث تتواصل التحضيرات العسكرية، قد يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى هجوم تركي أو سوري، كما تنبأ هيراس.
وبالتالي، سيمدد هذا الخيار الأزمة، محولاً سورية إلى منطقة مجمدة الصراع، كما في تقرير البرلمان البريطاني في يوليو 2025 "سورية ما بعد الأسد: العواقب والسلطات المؤقتة"، لكنه قد يوفر فرصة للتفاوض إذا استمر الدعم الدولي.

الخاتمة، نحو خيار متوازن يجمع بين البراغماتية والحذر:

في الختام، تكشف الخيارات أمام قسد – التصعيد العسكري الذي يحمل مخاطر عودة الحرب رغم دعم بعض الآراء له كأداة دفاعية، والانتقال السياسي الذي يعد فرصة للتنوع مع التحذير من مخاطر التهميش، وحالة اللاسلم واللاحرب التي قد تكون رهاناً مؤقتاً لكنها تعيق التقدم – عن تعقيد الوضع السوري.
ويبرز تفعيل اتفاق مارس 2025، الذي ينص على دمج السلاح ودخول قسد في العمل السياسي، كأفضل بديل متوازن، مستفيداً من الدروس التاريخية مثل اتفاقات السلام في كولومبيا أو جنوب أفريقيا، حيث نجح الاندماج في بناء دول مستقرة.
هذا الاتفاق، الذي رحب به الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يضمن حقوق الأكراد ويمنع التصعيد، مما يعزز الاستقرار. كما قال السفير توم باراك في تصريح لوزارة الخارجية في أغسطس 2025، "سورية بحاجة إلى وحدة تحترم الجميع".

لذا، فإننا في قسم البحوث والدراسات في المكتب العلمي لـ تيار المستقبل السوري ننصح قسد بعدم الإنجرار للحرب مع الحكومة السورية، فهي قد تكون الخاسرة، بل نوصي بالتركيز على العمل السياسي مع الحذر من مخاطره، لتحقيق تأثير أكبر في بناء سورية الجديدة متعددة الوجوه، حيث يصبح التنوع مصدر قوة لا ضعف.

شاركها على:

اقرأ أيضا

لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية

اكتشف لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية وتحدياتها في واقع معقد من الخوف والاحتكار.

15 يناير 2026

إدارة الموقع

الإسراء والمعراج من قداسة الوحي إلى نهضة الحضارة

أهمية الإسراء والمعراج في سياق الحضارة الإسلامية وتأثيره على فهم العلاقة بين الدين والسياسة.

15 يناير 2026

إدارة الموقع