يتابع تيار المستقبل السوري، كحركة سياسية وطنية ملتزمة ببناء سورية المستقبلية على أسس العدالة الاجتماعية والحقوق الإنسانية، التطورات الاجتماعية والإنسانية في الوطن باهتمام عميق ومسؤولية تاريخية.
وفي سياق التعافي الشامل من آثار الحرب المدمرة التي أثرت على كل شرائح المجتمع السوري، وخلفت ملايين الضحايا والمعاقين، يعلق التيار على الخبر المنشور بتاريخ 12 يناير 2026، والذي يفيد بإطلاق برنامج حكومي مشترك بين وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل في الجمهورية العربية السورية.
حيث يهدف هذا البرنامج إلى تطوير ملف ذوي الإعاقة ودعم ضحايا الحرب من خلال تنظيم الجمعيات الصحية وفق معايير فنية دقيقة، وفرزها حسب درجة الفاعلية والكفاءة، وإشراكها في مشاريع تنموية مستدامة.
كما يشمل البرنامج تقديم دعم جسدي ونفسي شامل لضحايا الحرب، ومعالجة قضايا الإدمان الناتجة عن الضغوط النفسية، والتصدي لظاهرة التسول المرتبطة بالإعاقة، تحت قيادة وزير الصحة مصعب العلي ووزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، مع التأكيد الصريح على فتح مساحات حوارية مفتوحة لطرح هموم المتضررين واستماع آرائهم بشكل مباشر.
يُرحب تيار المستقبل السوري بهذه الخطوة كإشارة أولية إيجابية نحو إعادة بناء منظومة الخدمات الاجتماعية في سورية، كما ندعو إلى تعزيز دور المجتمع المدني في ضمان الشفافية والمساءلة، معتبرين أن مثل هذه البرامج يجب أن تكون جزءا من وثيقة وفاق وطني تشمل جميع القوى السياسية والاجتماعية لتحقيق السلم الأهلي المستدام.
ينظر تيار المستقبل السوري إلى التحديات المحتملة في مرحلة التنفيذ، مثل نقص الموارد المالية واللوجستية، والفجوات الواسعة في الرعاية الطبية والتأهيلية، خاصة في المناطق الريفية والنائية مثل الرقة والشرق السوري، حيث يعاني ذوو الإعاقة من إهمال تاريخي متراكم. إذ تُشير تقارير دولية حديثة، بما في ذلك تلك الصادرة عن الأمم المتحدة، إلى أن نسبة المتأثرين بالإعاقة جراء الحرب في سورية قد تصل إلى 30% من السكان، مما يجعل هذه القضية ملفاً إنسانياً إضافة لكونه تحديا وطنيا يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الإجراءات الترقيعية.
يؤكد تيار المستقبل السوري على أهمية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي مرت بنزاعات مسلحة مشابهة، لاستخلاص الدروس الدقيقة في دعم ضحايا الحرب وضمان دمجهم في عملية إعادة الإعمار، مع الحرص على تبني هذه التجارب بعين وطنية سورية تجنب الأخطاء السابقة مثل الاعتماد الزائد على المساعدات الخارجية دون بناء قدرات محلية مستقلة.
ففي أوكرانيا، منذ بداية النزاع في 2022، ساهمت المساعدات الدولية المنظمة في إصلاح نظام الدعم للمعاقين من خلال مشاريع مثل "Rehab4U" الذي أطلقته منظمة Project HOPE في 2024، والذي ركز على بناء نظام تأهيل مستدام يشمل تدريب الكوادر الطبية، وإنشاء مراكز متخصصة، وحملات توعية وطنية لمكافحة الوصمة الاجتماعية، مما أدى إلى دمج أكثر من آلاف الجرحى في المجتمع وتحقيق استقلال اقتصادي لهم من خلال برامج التوظيف الشامل والدعم النفسي (MHPSS).
كما ساهمت منظمة ADRA Ukraine في توفير كراسي متحركة وأدوات مساعدة لآلاف المعاقين أثناء النزاع، مع التركيز على الوصول إلى المناطق النائية، مما قلل من معدلات العزلة الاجتماعية وأدى إلى تعزيز الاستقرار المجتمعي رغم التحديات الاقتصادية المستمرة.
وعليه فإننا ندعو إلى تطبيق نموذج مشابه في سورية، مع تخصيص ميزانيات محددة للتدريب المهني ودمج التكنولوجيا في التأهيل لضمان استدامة النتائج.
يدعو تيار المستقبل السوري إلى الاستفادة من تجربة سريلانكا، التي عانت من حرب أهلية دامت عقوداً وانتهت في 2009، فقد ركزت الجهود بعد النزاع على مشاركة المنظمات المحلية في إعادة التأهيل المجتمعي (CBR)، كما في برامج منظمة Humanity & Inclusion (HI) التي بدأت منذ 1992 وتوسعت بعد تسونامي 2004، لتشمل الدمج الاقتصادي للمعاقين من خلال مشاريع التوظيف الشامل، وتدريب الجمعيات المدنية، وبرامج التوعية ضد التمييز الاجتماعي.
حيث هذه الجهود أدت إلى استدامة الخدمات رغم التحديات الاقتصادية، مع التركيز على النساء والأطفال ذوي الإعاقة، مما ساهم في تقليل معدلات الفقر بين هذه الفئات بنسبة ملحوظة من خلال مشاريع الزراعة الشاملة والتدريب المهني. ومع ذلك، أظهرت التجربة السريلانكية أخطاء مثل عدم دعم كافٍ للمدنيين المعاقين خارج إطار المقاتلين السابقين، مما أدى إلى فجوات في الرعاية، وهو درس يجب على سورية تجنبه من خلال توسيع البرنامج ليشمل جميع الضحايا دون تمييز.
يدعو تيار المستقبل السوري أيضا للاستفادة من تجربة سيراليون، فبعد حرب أهلية دامت من 1991 إلى 2002 والتي خلفت عشرات الآلاف من المبتورين والمعاقين، أدى دمج ذوي الإعاقة في عمليات بناء السلام من خلال برنامج DDR (نزع السلاح، التسريح، إعادة الدمج) إلى تقليل التمييز الاجتماعي بشكل ملحوظ. وقد شمل البرنامج، الذي أدارته الأمم المتحدة، إعادة دمج أكثر من 70,000 مقاتل سابق، بما في ذلك الأطفال والجنود والمعاقين، عبر التدريب المهني، والتعليم في الرياضيات والحاسبات واللغات، والدعم النفسي المجتمعي، مما ساعد في إعادة بناء المجتمعات وتقليل معدلات الجريمة الناتجة عن الإهمال. كما ساهمت منظمة HI في مشاريع الصحة النفسية والإدراج الاقتصادي، مع تدريب المهنيين الصحيين للتعامل مع الإعاقات الناتجة عن الحرب، مما أدى إلى تحسين الوصول إلى التعليم والتوظيف للمعاقين رغم الفقر المستمر.
كما يبرز هذا النموذج أهمية الرقابة المجتمعية والدعم للفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال، لكنها أظهرت أيضاً تحديات مثل الوصمة الثقافية، التي يجب على سورية مواجهتها عبر حملات توعية وطنية.
يؤمن تيار المستقبل السوري برؤية مستقبلية طموحة تركز على الدمج الشامل والمستدام لذوي الإعاقة وضحايا الحرب في عملية بناء سورية الجديدة، ونقترح أن يشمل البرنامج تمويلاً مستداماً من خلال شراكات دولية، وتدريبا مكثفا للكوادر الطبية والاجتماعية، وآليات رقابية شفافة لمنع الفساد أو الاستغلال، كما نُحذر من مخاطر الإهمال السياسي، حيث نرى أن الإعاقة في سورية أصبحت "أزمة مخفية" تتطلب إعادة تصور للعدالة الانتقالية لتشمل التعويضات الشاملة والوصول إلى الخدمات.
يجدد تيار المستقبل السوري التزامه بدعم الفئات الهشة، معتبراً أن تعزيز حقوق ذوي الإعاقة هو أساس لسورية موحدة، ومزدهرة، ومستقرة، وندعو جميع الأطراف السورية والدولية إلى العمل الجماعي نحو مستقبل يعيد للسوريين كرامتهم ويبني مجتمعًا عادلاً يحتضن الجميع دون استثناء.