تجد سورية نفسها في مطلع عام 2026م، وبعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر 2024م، أمام لحظة جيوسياسية دقيقة للغاية، فلم تعد التحديات تقتصر على إعادة الإعمار المادي أو إصلاح مؤسسات الدولة المتآكلة، بل أصبحت تتمحور حول السؤال الأعمق، ألا وهو هل تستطيع الدولة السورية الناشئة استعادة السيادة الفعلية على كامل ترابها في ظل التوازنات الإقليمية والدولية المتحولة؟
إن أحداث حلب الأخيرة، وبالأخص التوترات والاشتباكات في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية (منذ أواخر ديسمبر 2025 وتصاعدها بشكل ملحوظ في 6–10 يناير 2026)، تمثل نقطة تقاطع بين عدة دوائر جيوسياسية:
- الدائرة الداخلية: قدرة الدولة المركزية على فرض احتكارها الشرعي للعنف المسلح داخل حدود المدن الكبرى، وهو شرط أساسي لوجود أي دولة حديثة.
- الدائرة الإقليمية الشمالية: العلاقة مع تركيا، والتي ترى في أي وجود عسكري مستقل شمال سورية (خاصة قرب حدودها) تهديداً أمنياً وجودياً لها.
- الدائرة الشرق أوسطية الواسعة: الموقف الأمريكي الذي تحول تدريجياً منذ بداية 2025 من دعم ضمني لـ"كيانات إدارية مستقرة" إلى تفضيل واضح لاستقرار الدولة المركزية، كما يتضح من رفع العقوبات في ديسمبر 2025 وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع دمشق، وتصريحات المبعوث الأمريكي المتكررة والواضحة.
- الدائرة الدولية: تراجع القدرة الروسية على تقديم مظلة حماية واسعة بعد تراجع نفوذها في سورية بعد سقوط بشار الأسد، مقابل عودة الدول العربية (خاصة معظم دول الخليج) إلى الساحة السورية كلاعبين رئيسيين يدعمون فكرة الدولة الوطنية الموحدة.
وفي هذا السياق المتعدد الطبقات، أصبحت حلب – بموقعها الجغرافي الاستراتيجي عقدةَ ربطٍ بين غرب وشرق سورية، وبين الشمال السوري والمنطقة الداخلية – أكثر من مجرد كونها مدينة، فهي اليوم مؤشر حيوي على مسار الدولة السورية ككل.
كان الاتفاقان الرئيسيان (10 مارس 2025 و1 أبريل 2025) يمثلان محاولة لتحقيق توازن دقيق، وهو دمج المكونات ضمن إطار وطني موحد مع ضمانات إدارية وثقافية معقولة.
لكن التنفيذ العملي واجه صعوبات كبيرة، أدت إلى تراكم التوترات حتى وصلت إلى المواجهة المسلحة في بداية 2026م.
وما يثير القلق الاستراتيجي الحقيقي ليس وقوع الاشتباكات بحد ذاتها (فهي متوقعة في مراحل انتقالية معقدة)، لكن الاحتمال المتزايد أن تتحول هذه الأزمات المحلية إلى عقدة جيوسياسية تُستغل من قبل أطراف خارجية لإبقاء سورية في حالة "توازن الضعف" أو "التقسيم الناعم المدار"، وهو نمط أثبت التاريخ أنه يطيل أمد الصراع ويمنع الاستقرار الدائم.
ومن منظور جيوسياسي، فإن أي استمرار طويل الأمد لمناطق عسكرية مستقلة داخل أكبر مدن سورية الاقتصادية والتاريخية يعني:
- إضعاف قدرة الدولة على إعادة بناء الثقة الوطنية بين مكوناتها
- تعطيل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى التي تحتاج إلى سيطرة أمنية موحدة
- إبقاء حلب – وبالتالي الاقتصاد السوري – في حالة هشاشة دائمة
- فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية متناقضة تتغذى على الفراغ.
إن تيار المستقبل السوري، وانطلاقاً من رؤيته الوطنية المدنية، يعتقد أن المسار الصحيح ليس في التصعيد العسكري المفتوح ولا في العودة إلى نموذج "الكيانات الموازية"، بل في إعادة بناء الثقة من خلال مسار سياسي-أمني متوازن يحقق ثلاثة أهداف متزامنة:
1- استعادة السيادة الكاملة للدولة على أراضيها
2- ضمان حقوق المكونات الثقافية والإدارية المشروعة ضمن إطار وطني جامع
3- إبعاد سورية عن دائرة الصراعات الإقليمية والدولية التي تتغذى على انقسامها
وهنا، نوصي بالخطوات التالية كأولويات وطنية ملحة في هذه المرحلة:
- الإعلان الفوري عن هدنة شاملة متبادلة في حلب ولتشمل فيما بعد كل الخريطة السورية بشكل جدي ومضمون، مع فتح ممرات إنسانية دائمة ومستدامة تحت إشراف مشترك (محلي–دولي).
- تشكيل لجنة وطنية مشتركة (تمثل الحكومة المركزية والمجالس المحلية والمكونات) للإشراف على تنفيذ اتفاقي مارس وأبريل 2025 خلال مدة زمنية محددة وواضحة.
- إطلاق حوار وطني موسع في دمشق أو حلب يشارك فيه ممثلون عن كل الأطراف السورية، بهدف الوصول إلى وثيقة توافق وطني حول شكل الدولة واللامركزية الإدارية أو ما أسميناها باللامركزية الخدمية في الدستور المقبل.
- دعوة الأطراف الدولية والإقليمية المعنية (الولايات المتحدة، تركيا، روسيا، دول الخليج) إلى دعم هذا المسار سياسياً ومالياً، بدلاً من دعم أي واقع مؤقت يعيق بناء الدولة.
- إطلاق مشروع إعادة إعمار سريع ومرئي انطلاقاً من حلب، يُركز على الأحياء المتضررة، كإشارة ملموسة إلى أن الدولة تعمل لمصلحة جميع أبنائها.
فحلب ليست مجرد مدينة تتقاسمها مكونات، إنها اليوم المفتاح الجيوسياسي لمستقبل سورية كدولة موحدة أو ككيانات هشة، وهو ما اشار له الرئيس أحمد الشرع في لقائه الأخير مع محافظ مدينة حلب منذ أيام.
إن الخيار الاستراتيجي أمامنا واضح، فإما أن ننجح في تحويل هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو الوحدة الوطنية الحقيقية، وإما أن نتركها تتحول إلى عقدة مزمنة تؤجل – وربما تعرقل – بناء الدولة السورية الحديثة لعقود قادمة.
ويبقى القرار قراراً سياسياً استراتيجياً أخلاقياً بالدرجة الأولى.
ونحن نؤمن أن الشعب السوري، بكل مكوناته، وبمن فيه من قيادات اجتماعية وسياسية ومالية يملك القدرة على اتخاذ الخيار الصحيح.