نحو وعي قانوني لمواجهة الشعوذة

أعلن فرع مكافحة الاتجار بالبشر في محافظة الحسكة، بالتعاون مع دائرة تراخيص العلاج القرآني في مديرية أوقاف الحسكة، في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، عن إلقاء القبض على نحو عشرة أشخاص مشتبه بهم في قضايا تتعلق بالسحر والشعوذة، وإحالتهم إلى القضاء المختص.

وتأتي هذه العملية ضمن حملات أمنية متصاعدة تستهدف ملاحقة المتورطين في هذه الممارسات، بعد سوابق مماثلة في جرابلس حيث أوقفت قوى الأمن الداخلي ستة أشخاص بينهم ثلاث نساء في أيلول/سبتمبر 2026، وفي حلب حيث أوقفت امرأة ظهرت في مقطع مصور تمارس أعمالاً مرتبطة بالسحر.

غير أن هذه الحملات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة ظاهرة متجذرة، لأنها تتعامل مع الأعراض لا مع الأسباب، وتغفل البعد القانوني والتوعوي والاجتماعي الذي يجعل من الشعوذة جريمة مركبة تهدد الفرد والأسرة والمجتمع.

حجم الظاهرة:

لا تقتصر خطورة الشعوذة على استنزاف أموال المواطنين، بل تمتد إلى جرائم أشد فتكاً بالنسيج الاجتماعي، فقد كشف رئيس محكمة بداية الجزاء السابعة بدمشق، القاضي محمد خربطللي، أن دعاوى السحر والشعوذة بقصد الربح أقل من السابق، لكن أكثرها حالياً يتعلق بالاغتصاب، حيث يمارس المشعوذ طقوسه على النساء ويغيبهن عن الوعي ويمارس الجنس معهن دون رغبتهن.

وهذا يعني أن الشعوذة مدخل لجرائم جنسية وجسدية أشد خطورة، تستغل هشاشة الضحايا النفسية والاجتماعية.

والأخطر من ذلك، تحول الاتهامات بالسحر إلى ذريعة لجرائم القتل خارج نطاق القانون، فمنذ مطلع عام 2025، شهدت محافظات سورية عدة هجمات أسفرت عن مقتل رجال ونساء وُجهت إليهم اتهامات بممارسة السحر والشعوذة، وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، تم توثيق 334 جريمة جنائية وجرائم قتل أسفرت عن وفاة 362 شخصاً، مقابل 401 جريمة أودت بحياة 464 شخصاً خلال عام 2025 بأكمله.

وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الجرائم مرتبطة بالشعوذة، لكنها تشير إلى بيئة من العنف والإفلات من العقاب، تجعل الاتهام بالسحر سلاحاً جاهزاً للتصفية والانتقام.

لماذا يلجأ الناس إلى المشعوذين؟

لفهم ظاهرة الشعوذة، لا بد من تجاوز التفسير الأخلاقي البسيط إلى تحليل الأسباب العميقة التي تجعل الإنسان السوري، في ظل أزماته المتراكمة، عرضة لهذا الوهم.

يمكن الإشارة إلى أن اللجوء إلى المشعوذين هو مؤشر خطير على وجود خلل هيكلي في آليات المواجهة النفسية والاجتماعية التي يمتلكها الشخص داخل المجتمع، كما أن الفراغ الروحي والاقتصادي هو المحرك الأساسي، حيث أن الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية تدفع الناس إلى البحث عن حلول سريعة، فيلجأون إلى المشعوذين لحل مشكلاتهم.

وفي السياق السوري تحديداً، تتفاقم هذه الأسباب بفعل الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، فمع انتشار الفقر والبطالة، يبحث الإنسان عن تفسير لما يعيشه، فتقدم له الشعوذة تفسيراً سريعاً يمنحه شعوراً زائفاً بأنه فهم سبب المشكلة، ويدفعه إلى الاستمرار في طريق يكلفه المال ويؤثر في علاقاته وحياته اليومية.

ولا تقتصر الأسباب على الفقر والجهل، بل تمتد إلى الفراغ الروحي وضعف الوازع الديني، فمع تراجع دور المؤسسات الدينية في التوجيه، وانتشار خطاب ديني لا يلامس هموم الناس اليومية، يجد الكثيرون في الشعوذة بديلاً عن السؤال الديني الحقيقي.

الإطار القانوني:

يعاقب قانون العقوبات السوري في المادة 754 كل من يتعاطى بقصد الربح مناجاة الأرواح أو التنويم المغناطيسي أو التنجيم أو قراءة الكف أو قراءة أوراق اللعب أو أي ممارسة تتصل بادعاء معرفة الغيب، بالحبس التقديري الذي يتراوح بين يوم وعشرة أيام، وبغرامة تتراوح بين 500 ليرة 2000 ليرة سورية، مع مصادرة الأدوات والوسائل المستخدمة، ويعاقب المكرر بالحبس حتى ستة أشهر وبغرامة تصل إلى خمسمائة ألف ليرة سورية، ويمكن إبعاده إذا كان أجنبياً، وإذا تبين أن المشعوذ قد استولى على أموال ضخمة من الضحايا عبر إيهامهم بقدرات خارقة، فلا تُطبق عليه هذه المادة البسيطة (مخالفة)، بل تُرفع القضية إلى جناية أو جنحة "احتيال" وفق المادة 641 من قانون العقوبات السوري، والتي تصل عقوبتها إلى السجن لسنوات مع غرامات مالية كبيرة.
وكما يظهر، فإن هذه العقوبة، في ظل التضخم والانهيار الاقتصادي، أصبحت غير رادعة على الإطلاق. حيث تعادل اليوم مبالغ زهيدة لا تكفي لردع أي مشعوذ يحقق أرباحاً طائلة من وراء نشاطه.

والأخطر من ذلك، أن القانون السوري لا يجرم صراحة الشعوذة الإلكترونية التي انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت صفحات وحسابات تروج لخدمات مثل فك السحر وجلب الحبيب وزيادة الرزق ومعالجة الأمراض.

وتشير تقارير إلى أن جرائم الابتزاز الإلكتروني ارتفعت بنسبة ثلاثين في المائة خلال الحرب في سورية، ويستغل بعض الدجالين الحالة النفسية للمرضى أو الأزمات للبدء بتنفيذ جريمتهم، التي يقع أغلب ضحاياها من النساء أو الفتيات.

والقصور لا يقتصر على العقوبة، بل يمتد إلى غياب تعريف قانوني دقيق لجرائم الشعوذة والابتزاز المرتبط بها.

فالمادة 754 تتحدث عن ادعاء معرفة الغيب بقصد الربح، لكنها لا تغطي حالات الابتزاز الجنسي أو المالي الذي يمارسه المشعوذ تحت غطاء الطقوس الروحية، وهذا يضع ضحايا كثيرين في موقف قانوني ضعيف، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم شرف أو ابتزاز بصور أو مقاطع فيديو.

الرؤية القانونية والتوعوية:

انطلاقاً من هذا التشخيص، يوصي تيار المستقبل السوري بتبني مقاربة قانونية وتوعوية متكاملة، تراعي ظروف المرحلة الانتقالية وتنظر إلى المستقبل بعين مدنية حضارية:

أولاً: تعديل المادة 754 من قانون العقوبات السوري لتشمل الشعوذة الإلكترونية والابتزاز المرتبط بها، ورفع العقوبات المالية إلى مستويات رادعة تتناسب مع حجم الأرباح التي يحققها المشعوذون، وإضافة عقوبات تصل إلى السجن المشدد في حالات الابتزاز الجنسي أو الاستغلال. كما يجب إقرار قانون خاص بالجرائم الإلكترونية يعالج الابتزاز الرقمي تحت غطاء الشعوذة.

ثانياً، تعزيز آليات الرقابة والمحاسبة، حيث لا يكفي إلقاء القبض على عشرة أشخاص في الحسكة، بل يجب إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الشعوذة والاحتيال الروحي، تضم ممثلين عن وزارة الأوقاف ووزارة الداخلية والقضاء وحماية المستهلك، وتتولى رصد الصفحات والحسابات التي تروج لهذه الخدمات، وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية، ووضع ضوابط واضحة لعمل المعالجين الروحيين الشرعيين.

ثالثاً، إطلاق استراتيجية وطنية للتوعية، كما يجب أن تستهدف التوعية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وخاصة النساء والشباب، عبر التربية الإعلامية التي تمكّن المواطنين من التحقق من المعلومات، والتمييز بين المحتوى الديني الأصيل والمحتوى الاحتيالي، وتطوير التفكير النقدي تجاه ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشير اليونسكو إلى أنها تعمل مع شركاء وطنيين في سورية لتعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية، ودعم التفكير النقدي والصمود أمام التضليل، مع استكشاف دعم سياسة واستراتيجية وطنية مستدامة في هذا المجال، كما يجب نشر ثقافة الصحة النفسية، وتوضيح أن كثيراً من الحالات التي تُفسَّر على أنها سحر هي في الواقع اضطرابات نفسية قابلة للعلاج، وتشجيع الناس على اللجوء إلى المختصين بدلاً من المشعوذين.

رابعاً، تعزيز الحماية الاجتماعية والاقتصادية، فإنه لا يمكن معالجة الشعوذة بمعزل عن معالجة أسبابها، فالفقر والبطالة والهشاشة النفسية هي البيئة الخصبة التي تنمو فيها هذه الظاهرة.

ويجب أن تتضمن الاستراتيجية الوطنية برامج للحماية الاجتماعية، ودعم الصحة النفسية، وخلق فرص عمل للشباب، وتوفير خدمات إرشاد أسري، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطراً للجوء إلى المشعوذين بحثاً عن حلول لمشكلاته.

خاتمة:

تمثل ظاهرة الشعوذة في سورية اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الجديدة على بناء مجتمع مدني حضاري، يقوم على العقل والعلم والقانون، لا على الخرافة والخوف والاستغلال، فالقبض على عشرة أشخاص في الحسكة هو خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية، فالمعركة الحقيقية ليست مع المشعوذين فقط، بل مع البيئة التي تنتجهم: الفقر، والفراغ الروحي، والهشاشة النفسية، وقصور التشريع، وضعف التوعية.

وإذا نجحت سورية في معالجة هذه الأسباب، فإنها لن تقضي على الشعوذة فحسب، بل ستبني مجتمعاً أكثر وعياً وتماسكاً وكرامة، وهو المجتمع الذي يستحقه السوريون بعد سنوات من المعاناة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم العالمي للعمران والتخطيط المدني

اليوم العالمي للعمران والتخطيط المدني يبرز أهمية التخطيط المدني لضمان كرامة الإنسان والتنمية المستدامة.

8 نوفمبر 2026

•

إدارة الموقع

اليوم العالمي للأشعة

اليوم العالمي للأشعة يسلط الضوء على أهمية الاكتشافات الطبية الحديثة ودورها في الرعاية الصحية.

8 نوفمبر 2026

•

إدارة الموقع