تحل الذكرى السنوية الأولى لأحداث العنف المأساوية التي شهدتها محافظة السويداء في منتصف تموز/يوليو 2025، تلك الذكرى الأليمة التي تذكرنا بحجم الكارثة الإنسانية التي أوقعت ما لا يقل عن 1760 قتيلاً من جميع الأطراف، ونزوح 150 ألف عائلة، وتركت جراحاً نفسية واقتصادية عميقة لا تزال تعيق عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والبلدات المتضررة.
وفي هذا اليوم، يتقدم تيار المستقبل السوري بخالص التعازي والمواساة لأهالي الضحايا من جميع المكونات في محافظة السويداء، ويُجدد تضامنه المطلق مع كل من فقد عزيزاً أو هُجّر من أرضه أو يعاني حتى اليوم من تبعات تلك الأحداث الأليمة.
أولاً: يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن أحداث السويداء تمثل جرحاً وطنياً عميقاً يتطلب معالجة شاملة، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تمتد إلى العدالة والمصالحة وجبر الضرر.
فلقد خلّفت هذه الأحداث دماراً هائلاً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وما زالت القرى المتضررة تعاني من تحديات اقتصادية وجراح نفسية تعيق العودة إلى الحياة الطبيعية.
كما نرى أن معالجة هذا الجرح تتطلب أكثر من مجرد إجراءات أمنية وقتية، بل تستوجب مساراً واضحاً للعدالة الانتقالية يشمل المحاسبة القانونية العادلة لجميع المتورطين، بغض النظر عن انتمائهم، والاعتراف بالمجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين، وجبر الضرر للضحايا وعائلاتهم، وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل.
ثانياً: يُثمّن تيار المستقبل السوري الخطوات التي تحققت على مسار العدالة والمحاسبة، وفي مقدمتها بدء المحاكمات العلنية للمتورطين في الأحداث، ويُطالب باستمرار هذا المسار وتوسيعه ليشمل كافة المسؤولين.
ونُذكر بأنه قد شهد العام الماضي تطورات مهمة على صعيد العدالة، تمثلت في تسليم التقرير النهائي للجنة التحقيق الوطنية التي وثقت 1760 قتيلاً و2188 مصاباً، وفي مطلع تموز/يوليو 2026، بدأت محكمة الجنايات العسكرية في دمشق أولى جلسات المحاكمات العلنية للمتورطين في الانتهاكات.
وبدورنا، فإننا نُثمن هذه الخطوات التي تؤكد التزام الحكومة الانتقالية بتحقيق العدالة، ونُشدّد على أن المحاسبة يجب أن تطال كل من يثبت تورطه، بما في ذلك المحرضين والمخططين، بصرف النظر عن صفتهم أو موقعهم.
كما نطالب بالإسراع في استكمال التحقيقات وتوسيع قوائم المتهمين مع ظهور أدلة جديدة، وضمان الشفافية الكاملة في سير المحاكمات.
ثالثاً: يستنكر تيار المستقبل السوري وبشدة استغلال بعض الأطراف، وفي مقدمتهم الشيخ حكمت الهجري، لمأساة السويداء للانسلاخ عن الدولة السورية والاستقواء بالخارج، وخاصة بالكيان الإسرائيلي.
لقد تحول الشيخ حكمت الهجري، الذي كان يُعتبر مرجعية روحية للطائفة الدرزية، إلى زعيم انفصالي يستغل آلام الناس لخدمة أجندة خارجية.
ففي 14 كانون الثاني/يناير 2026، صرّح الهجري في مقابلة مع موقع إسرائيلي بأنه يرى نفسه "جزءاً لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل"، معتبراً إسرائيل "الجهة الضامنة والمخولة الوحيدة في أي اتفاق مستقبلي"، ومطالباً بالاستقلال التام عن سورية.
وإننا نرى هذه التصريحات، التي تُعد دعوة صريحة للانفصال تحت الوصاية الإسرائيلية، تمثل خيانة للدماء التي أريقت في السويداء، وتكريساً لمشاريع التقسيم التي تخدم أعداء الوحدة الوطنية.
كما يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن استغلال المأساة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية تحت رعاية خارجية هو أمر مرفوض أخلاقياً وسياسياً، وأن مستقبل السويداء لا يمكن أن يكون إلا في إطار سورية الموحدة ذات السيادة الكاملة.
رابعاً: يُشدّد تيار المستقبل السوري على أن المرحلة الانتقالية في سورية تتطلب تعزيز مؤسسات الدولة، لا تفكيكها، وأن أي ترتيبات أمنية أو إدارية في المحافظات يجب أن تتم في إطار الدولة السورية، وليس تحت وصاية خارجية.
وإن تيار المستقبل السوري وهو يُدرك مشروعية المطالب الإصلاحية لأهالي السويداء، يرفض بشكل قاطع أي محاولة للاستقواء بالخارج أو الرهان على دعم إقليمي يهدف إلى تقويض السيادة الوطنية.
كما نُذكر بأن الحوار الوطني الشامل، وليس الرهان على جهات خارجية، هو السبيل الوحيد لمعالجة المظالم وبناء دولة قوية وعادلة.
وعليه، فإننا نستذكر في هذا السياق ما ورد في بياننا السابق الصادر بتاريخ 5 تموز/يوليو 2026، بعنوان "بدء المحاكمات العلنية في أحداث السويداء" ، حيث شدد على أن "محاسبة المتورطين في أحداث السويداء هي واجب وطني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل"، ودعا إلى "معالجة الجذور التاريخية للتوتر بين مكونات المجتمع المحلي من خلال إطلاق مبادرات مصالحة وطنية".
خامساً: انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- استكمال مسار العدالة والمحاسبة، من خلال الإسراع في محاكمات المتورطين في الأحداث، وضمان محاكمات علنية وعادلة للجميع، وعدم الاكتفاء بمحاكمة المنفذين المباشرين، بل توسيع نطاق المساءلة ليشمل كل من تثبت مسؤوليته عن التحريض أو التخطيط.
- الإسراع في كشف مصير المفقودين، والعمل على إنهاء معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر أخبار أحبائها، أسوةً بما تم تحقيقه من إفراج عن بعض المختطفين.
- تفعيل برامج المصالحة الوطنية، من خلال إطلاق مبادرات حوارية بين مكونات المجتمع المحلي، تعزز التفاهم والتسامح، وتقطع الطريق على أي محاولات لاستغلال الخلافات التاريخية لخدمة أجندات خارجية.
- تسريع وتيرة إعادة الإعمار، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وتوفير الخدمات الأساسية لهم، أسوةً بتجارب ناجحة في مناطق أخرى.
يُجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن أحداث السويداء هي جرح في جسد الوطن، وأن التئام هذا الجرح يتطلب عدالة حقيقية ومصالحة وطنية شاملة، ورفضاً قاطعاً لأي مشاريع انفصالية أو استقواء بالخارج.
وكما نُقدر الجهود التي بذلتها الحكومة الانتقالية في مسار المحاسبة، فإننا نُطالب بالمزيد من الخطوات لتحقيق العدالة والكرامة لأهالي السويداء، وضمان أن تبقى سورية موحدة، قوية، وقادرة على حماية جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.
وبدوره، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف، سعياً إلى بناء سورية الجديدة على أسس العدل والكرامة وسيادة القانون.