نحو "تدين إعماري" في سورية المتجددة

تمر الدولة السورية اليوم بمخاض انتقالي عسير، تتقاطع فيه الآمال الاقتصادية مع التحديات السياسية، مما يفرض على العقل الجمعي السوري إعادة قراءة "المنظومة القيمية الدينية" ليس بوصفها طقوساً انعزالية، بل باعتبارها "محركاً نهضوياً" قادراً على ضبط إيقاع البناء وتوجيه بوصلة المصالح الوطنية.

أولاً، مقصِد الاستخلاف:

إن الرؤية الحداثية للإسلام تنطلق من أن العبادة ليست غاية لذاتها في الفراغ، بل هي وسيلة لتحقيق "عمارة الأرض".
يقول الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61).
يشير هنا القرطبي في تفسيره إلى أن "الاستعمار" طلب العمارة، وهو أمر على الوجوب.
وفي العصر الحديث، ذهب المفكر الإسلامي مالك بن نبي في أطروحته حول "شروط النهضة" إلى أن الدين هو "المُركّب الاجتماعي" الذي يحول الفرد من كائن بيولوجي إلى "إنسان حضاري".
وبناءً عليه، فإن الصلاة التي لا تثمر "إتقاناً" في إدارة المطار، أو "نزاهة" في عقد الصفقات التجارية (كما في الاتفاقيات الأخيرة مع ألمانيا والأردن)، هي صلاة ناقصة الأثر المدني.

ثانياً، فقه المصلحة والبراغماتية المؤمنة:

يرتكز الفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي في "الموافقات" على أن "الشريعة وُضعت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل".
ومن هنا، فإن "المصلحة العامة" لسورية اليوم تقتضي انفتاحاً اقتصادياً مدروساً، وتطويراً للبنى التحتية، وتأميناً لسبل العيش.
يقول العز بن عبد السلام (سلطان العلماء): "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل".
وبالإسقاط على واقعنا، فإن أي سياسة دينية أو وعظية لا تحث السوريين على الانخراط في "الاقتصاد الأزرق" أو "التجارة البينية" أو "التكنولوجيا الرقمية" هي وعظ يتقاعد عن مقصود الشارع في حفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها (النفس والمال).

ثالثاً، أخلاقيات "المواطنة" لا "الذمة":

في ظل تزامن الجمعة اليوم مع مناسبات وطنية ودينية لمكونات سورية أخرى (كالجمعة العظيمة)، نرى استحضار رؤية الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور رضوان السيد حول "المواطنة"، حيث سورية المستقبل لا تُبنى بفقه "الأقلية والأكثرية"، بل بـ "وثيقة المدينة" التي أسست لمفهوم "أمة واحدة من دون الناس" تشمل التنوع العقدي.
والحديث النبوي: "الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، يضع معيار التفاضل الوطني في "المنفعة"، وليس فقط "الهوية الفرعية".
إن المهندس السوري الذي يرمم مدارج الطيران، والتاجر الذي يلتزم بضوابط الجودة في التصدير، يمارسون "جهاداً مدنياً" هو الأوجب في فقه المرحلة الانتقالية.

رابعاً، التوصيات:
إن تيار المستقبل السوري، ومن خلال قراءته لمقاصد الشريعة، يرى أن "التدين الإعماري" يتطلب:

  1. تحويل المنابر إلى "منصات وعي"، بحيث تشرح خطبة الجمعة قيم "الأمانة المؤسساتية" و"الشفافية التعاقدية" كواجبات دينية.
  2. أنسنة التكنولوجيا، واعتبار الاتفاقات التقنية مثلا وسيلة شرعية لتحقيق مقصد "حفظ العقل" و"تيسير السبل".
  3. فقه الاستدامة، عبر حماية البيئة والموارد المائية (بمناسبة يومها العالمي) هو "تسبيح كوني"، فالنبي ﷺ قال: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل".

الخاتمة:

إن "القيامة السورية" التي ننشدها هي تجلٍّ لمفهوم "البعث الحضاري".
وإننا بحاجة إلى تدين يقدس "الوقت"، ويحترم "العقد"، ويؤمن بأن طريق الله يمرّ عبر خدمة الإنسان وإعمار الأوطان.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الحراك الشعبي السوري تنديداً بقانون "إعدام الأسرى" الإسرائيلي

غضب شعبي سوري ضد قانون إعدام الأسرى الإسرائيلي في نيسان/أبريل 2026؛ رسالة واضحة للحرية والكرامة.

2 أبريل 2026

إدارة الموقع

الإشكالية الوطنية للملكية العقارية في المرحلة الانتقالية السورية: مدينة الدانا نموذجاً

تحليل شامل للإشكالية الوطنية للملكية العقارية في ظل المرحلة الانتقالية، مع دراسة حالة مدينة الدانا.

2 أبريل 2026

إدارة الموقع