يُعرب تيار المستقبل السوري عن ترحيبه الحار والعميق بتوقيع مذكرة التفاهم الثلاثية بين الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية التركية، لتطوير منظومة نقل إقليمية متكاملة، والتي وُقعت بتاريخ 07-04-2026م في العاصمة عمان برعاية وزراء النقل في الدول الثلاث.
ينظر تيار المستقبل السوري إلى هذه المذكرة على أنها أكثر من مجرد اتفاق قطاعي، حيث نرى أنها إعلان نية استراتيجي لإعادة بناء دور سورية كحلقة وصل حيوية بين الشمال والجنوب، وتحويل الحدود من عوائق إلى جسور للتنمية والتكامل.
كما يتماشى هذا المسار بشكل مباشر مع رؤيتنا التي طالما دعت إلى تحرير الاقتصاد السوري من عزلته، وإعادة ربطه بمحيطه الإقليمي الطبيعي.
يُذكى تيار المستقبل السوري أن ما يميز هذه المذكرة أنها لا تأتي في فراغ، بل تُجسّد على أرض الواقع مجموعة من المبادئ والسياسات التي سبق لتيار المستقبل السوري أن نادى بها ووثقها في بياناته الرسمية، وأهمها:
- "خطة تطوير قطاع نقل البضائع في سورية" (بتاريخ 13 آب/أغسطس 2025):
في هذا البيان، أكدنا أن تطوير قطاع نقل البضائع هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على بناء مؤسسات فعالة وشفافة، وطالبنا بإدخال التقنيات الرقمية وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص.
واليوم، نرى هذه المبادئ منصبة في مذكرة التفاهم التي تركز على الرقمنة، وتبسيط الأنظمة، وإشراك القطاع الخاص في الحوار. - "تداعيات القرار رقم 31 الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك" (بتاريخ 22 شباط/فبراير 2026):
حذرنا في ذلك البيان من أن أي سياسة اقتصادية وطنية ناجحة تتطلب توازناً دقيقاً بين الأهداف الاستراتيجية والاستقرار التشغيلي.
بينما كنا ندافع آنذاك عن ضرورة التدرج لحماية سلاسل التوريد والأسعار المحلية، نرى اليوم في المذكرة الثلاثية الرؤية التكميلية والطموحة لتعزيز الاندماج الإقليمي التجاري دون إلحاق الضرر بالاستقرار الاقتصادي الراهن، وهو ما كنا ننادي به. - "تيار المستقبل السوري يرحب بلقاء وزير الخارجية التركي مع الإدارة السورية" (بتاريخ 22 كانون الأول/ديسمبر 2024):
أكدنا حينها أن نجاح المرحلة الانتقالية في سورية هو مصلحة مشتركة لسورية وتركيا، وأهمية التعاون المتوازن بين البلدين.
ونرى مذكرة التفاهم هذه هي ترجمة عملية لذلك التعاون، وتأكيد على أن العلاقة السورية-التركية قادرة على تجاوز الماضي نحو شراكة اقتصادية استراتيجية تخدم الشعبين.
يرى تيار المستقبل السوري في مذكرة التفاهم هذه ثلاث فرص استراتيجية كبرى:
- الفرصة الأولى (تعزيز الموقع الجيوسياسي): تفعيل ممر الشرق الأوسط عبر الدول الثلاث، والمتوقع دخوله الخدمة الكاملة خلال ثلاث سنوات، حيث سيُحدث تحولاً نوعياً في المشهد الاقتصادي الإقليمي، ويعيد لسورية دورها التاريخي كجسر بري بين أوروبا وآسيا والخليج العربي.
- الفرصة الثانية (تطوير البنية التحتية): إعادة إحياء وتحديث الربط السككي، وعلى رأسه مشروع الخط الحديدي الحجازي، وتأهيل الوصلات المفقودة لضمان انسيابية الحركة من الأناضول إلى ميناء العقبة والخليج العربي، هو استثمار في مستقبل النقل المستدام.
- الفرصة الثالثة (زيادة التبادل التجاري): نمو التبادل التجاري بين الأردن وسورية بنسبة 185% خلال عام 2025 واستئناف عبور الشاحنات الأردنية إلى تركيا مؤشرات إيجابية تبشر بعائد اقتصادي مضاعف من هذا الاتفاق.
لكن، باعتبار تيار المستقبل السوري يتبنى رؤية نقدية وموضوعية، نرى ضرورة التنبيه إلى ثلاثة تحديات أساسية:
- تحدي سرعة التنفيذ مقابل ضخامة المشاريع: وضع خارطة طريق عملية هو إنجاز، لكن تحويلها إلى مشاريع تنفيذية ملموسة على الأرض، في ظل محدودية الموارد وترهل البيروقراطية، سيكون التحدي الأكبر.
و المطلوب آليات متابعة صارمة وشفافة. - تحدي الاستدامة مقابل التمويل: المشاريع المطروحة (السكك الحديدية، الموانئ، المراكز اللوجستية) تحتاج إلى استثمارات ضخمة.
ونرى أنه يجب البدء فوراً في حشد التمويل من المؤسسات الدولية وصناديق التنمية الإقليمية، مع ضمان عدم تحميل الاقتصاد السوري المنهك أعباء إضافية. - تحدي العدالة في توزيع العوائد: يجب أن لا تقتصر فوائد هذا الممر على المناطق الحدودية أو كبريات المدن، بل أن تمتد إلى المحافظات الداخلية عبر شبكات طرق داعمة، لضمان تحقيق التنمية الشاملة وعدم خلق فجوات إقليمية جديدة.
بناءً على ما تقدم، يدعو تيار المستقبل السوري إلى:
- الإسراع في تشكيل اللجان الفنية المشتركة ووضع جداول زمنية ملزمة لتنفيذ بنود المذكرة، مع إشراك خبراء اقتصاديين ولوجستيين مستقلين.
- ضمان شفافية كاملة في الإجراءات، ونشر تقارير دورية عن التقدم المحرز، وإتاحتها للرقابة المجتمعية والمؤسساتية.
- البدء فوراً في إعداد الدراسات اللازمة لإصلاح وتأهيل البنية التحتية السورية المتضررة، بالتعاون مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين، لضمان جاهزية سوريا للعب دورها المحوري في هذا الممر.
- الاستفادة من هذه المذكرة كنموذج يحتذى به في التعاون الإقليمي متعدد الأطراف، وتوسيع نطاقها لاحقاً ليشمل دولاً أخرى كالعراق والسعودية، لتعزيز مفهوم "التكامل الاقتصادي الكبير".
يؤمن تيار المستقبل السوري بأن بناء سورية الجديدة يمر عبر إعادة إدماجها في محيطها الإقليمي كشريك فاعل ومؤثر.
ونؤمن أن مذكرة التفاهم هذه هي خطوة على الطريق الصحيح، ولكنها تحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة، ومتابعة حثيثة، ورقابة شعبية لضمان أن تترجم وعودها إلى واقع ملموس يحسن حياة السوريين ويعيد للاقتصاد الوطني عافيته.