الملخص التنفيذي:
تُعد العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد محوراً مركزياً في نظريات الاقتصاد السياسي الدولي (IPE).
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل كيفية توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لدعم إعادة الإعمار والاستقرار.
كما تعتمد الدراسة على زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين (30 مارس 2026) ولندن (31 مارس 2026) كحالة دراسية.
تكشف النتائج أن هذه الزيارة تمثل نموذجاً واعداً للدبلوماسية الاقتصادية المتوازنة، مع الحاجة إلى إصلاحات داخلية شاملة لضمان الاستدامة.
المقدمة:
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وتولي الرئيس أحمد الشرع رئاسة الحكومة الانتقالية، دخلت سورية مرحلة انتقالية معقدة تتطلب إعادة بناء سياسي واقتصادي شامل.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد كمحور أساسي يحدد قدرة الدولة على التعافي والاندماج الدولي.
وتعتمد هذه الدراسة على إطار نظري يجمع بين الواقعية، والليبرالية، والمنظور النقدي في الاقتصاد السياسي الدولي، مع التركيز على مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية.
هذا، و تُعد زيارة الرئيس الشرع إلى برلين ولندن في نهاية مارس 2026 حالة دراسية مهمة تكشف عن إمكانيات وتحديات هذه الدبلوماسية في ظل تراجع النفوذ الإيراني والتحولات الجيوسياسية الإقليمية.
الإطار النظري – الجدلية بين السياسة والاقتصاد:
تؤكد النظرية الواقعية (Morgenthau, 1948؛ Mearsheimer, 2001) أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها في نظام دولي فوضوي، وأن الموارد الاقتصادية أداة حاسمة لتعزيز النفوذ السياسي والأمني.
أما النظرية الليبرالية (Keohane & Nye, 1977؛ Nye, 2004) فترى في الاعتماد الاقتصادي المتبادل فرصة لـ"السلام التجاري" (Commercial Peace)، مع إمكانية استخدامه كأداة للضغط السياسي.
ومن جهة أخرى، يرى المنظور النقدي (مستمد من الاقتصاد السياسي الماركسي) أن الاقتصاد يشكل البنية الأساسية التي تحدد البنية الفوقية السياسية، حيث تعكس الصراعات الدولية تناقضات حول السيطرة على الأسواق والموارد (Strange, 1988).
تتجلى في السياق السوري، هذه الجدلية بوضوح، فالاستقرار السياسي (بناء مؤسسات شاملة، ضمان حقوق الأقليات، مكافحة الإرهاب، تعزيز الشمولية) شرط لازم لجذب الاستثمارات، بينما يُعد التعافي الاقتصادي شرطاً لتعزيز الشرعية السياسية وتقليل التوترات الداخلية.
الواقع الاقتصادي السوري – تحديات إعادة الإعمار:
وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في 21 أكتوبر 2025 حول تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار (2011-2024)، تتراوح تكاليف إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار أمريكي، مع تقدير حذر conservative best estimate يبلغ 216 مليار دولار.
ويتوزع هذا التقدير كالتالي: 75 مليار دولار للمباني السكنية، 59 مليار دولار للمباني غير السكنية، 82 مليار دولار للبنية التحتية.
ويعادل هذا الرقم نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024، مع انكماش تراكمي للاقتصاد تجاوز 50% منذ بداية الصراع.
وتبرز هذه الأرقام الحاجة الملحة إلى دبلوماسية اقتصادية نشطة قادرة على جذب الاستثمارات وكسر العزلة الدولية التي فرضتها العقوبات السابقة.
الدبلوماسية الاقتصادية – المفهوم والأهمية في المراحل الانتقالية:
تُعرف الدبلوماسية الاقتصادية (Economic Diplomacy) بأنها استخدام الأدوات الاقتصادية (التجارة، الاستثمار المباشر، المساعدات التنموية، العقوبات) لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، أو توظيف الدبلوماسية السياسية لتعزيز المصالح الاقتصادية (van Bergeijk, 2011؛ Okano-Heijmans, 2013).
وتشمل مجالاتها التفاوض على اتفاقيات التجارة، وجذب الاستثمار الأجنبي، وممارسة "القوة الاقتصادية" (Economic Statecraft).
في الدول الخارجة من الصراعات، تصبح هذه الدبلوماسية أداة حيوية لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي.
وفي الحالة السورية، شكل رفع الاتحاد الأوروبي لمعظم العقوبات الاقتصادية في 28 مايو 2025 (بعد قرار سياسي في 20 مايو 2025، مع الإبقاء على الاستثناءات الأمنية) خطوة إيجابية هامة فتحت آفاقاً جديدة للتعاون.
زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين ولندن:
تمثل زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين في 30 مارس 2026، ثم إلى لندن في 31 مارس 2026، نموذجاً عملياً للدبلوماسية الاقتصادية السورية.
وقد جاءت الزيارة بعد رفع معظم العقوبات الأوروبية، وتركزت على ثلاثة محاور رئيسية: إعادة الإعمار، عودة اللاجئين، الشراكات الاقتصادية في مجالات الطاقة والبنية التحتية.
ففي برلين، التقى الرئيس الشرع بالرئيس فرانك-فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرز، وشارك في طاولة مستديرة اقتصادية سورية-ألمانية بمشاركة وزير الخارجية يوهان فاديفول.
وقد أكد المستشار ميرز أن نحو 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا (حوالي 700-900 ألف شخص) متوقع عودتهم خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع أولوية لمن لا يملكون إقامة قانونية أو مرتكبي جرائم.
كما ناقشت الزيارة اتفاقيات طاقة محتملة مع شركات ألمانية مثل Siemens Energy.
أما في لندن، فقد جاءت الزيارة في سياق حزم الدعم البريطانية السابقة، بما في ذلك حزمة بقيمة 94.5 مليون جنيه إسترليني أُعلنت في يوليو 2025 لدعم الإغاثة الإنسانية والتعافي طويل الأمد (التعليم والمعيشة).
يبرز هنا السؤال الاستعاري: "كيف تؤكل الكتف الأوروبية؟" فلمنافسة البنّاءة بين برلين (التركيز على الاستقرار وعودة اللاجئين لتخفيف الأعباء الداخلية) ولندن (التركيز على الشراكات التجارية والتنموية).
لهذا، ستستفيد أوروبا من الموقع الاستراتيجي السوري كممر طاقة بديل، خاصة في ظل تراجع النفوذ الإيراني، بينما تستفيد سورية من تنويع شركائها الدوليين.
كما وتؤكد الدبلوماسية السورية نهجاً متوازناً يحافظ على علاقات مع روسيا والدول العربية (خاصة الخليج) مع فتح أبواب التعاون مع الغرب.
وليعزز هذا التوازن الاستقلال الاقتصادي ويستفيد من التحولات الجيوسياسية الإقليمية.
التحديات والتوصيات:
تواجه -رغم الفرص الواعدة- المرحلة الانتقالية تحديات هيكلية، منها ضمان الشمولية والشفافية في الحوكمة، ومواجهة المخاوف الحقوقية (خاصة تلك المثارة من مكونات كردية خلال الزيارة إلى برلين)، وتحويل الوعود الدبلوماسية إلى استثمارات فعلية.
كما يتطلب الأمر ربط المساعدات الخارجية بإصلاحات داخلية جذرية لتجنب مخاطر التبعية أو إعادة إنتاج أنماط مركزية سابقة.
وعليه، فإننا في المكتب الاقتصادي لـ تيار المستقبل السوري نوصي بالآتي:
- تعزيز الإصلاحات المؤسسية والقانونية لخلق بيئة أعمال شفافة وجذابة.
- وضع استراتيجية وطنية لإعادة الإعمار تركز على "build back better" مع مشاركة واسعة للمجتمعات المحلية والأقليات.
- الحفاظ على التوازن الخارجي مع تعزيز الشراكات مع الدول العربية والآسيوية لتقليل الاعتماد على محور واحد.
- تطوير آليات مراقبة شفافة لاستخدام المساعدات الدولية.
الخاتمة:
تُظهر زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين ولندن أن الدبلوماسية الاقتصادية يمكن أن تحول الجدلية بين السياسة والاقتصاد إلى فرصة استراتيجية في المرحلة الانتقالية السورية.
ومع الاستمرار في الإصلاحات الداخلية الشاملة والحفاظ على التوازن الخارجي، يمكن لسورية أن تنتقل من مرحلة الصراع إلى مرحلة التنمية المستدامة، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي ومن تراجع النفوذ الإيراني.
كما يمثل هذا النموذج خطوة مهمة نحو إعادة اندماج سورية في النظام الدولي على أسس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
المراجع:
- Council of the European Union. (2025, May 28). Syria: EU adopts legal acts to lift economic sanctions on Syria. https://www.consilium.europa.eu/en/press/press-releases/2025/05/28/syria-eu-adopts-legal-acts-to-lift-economic-sanctions-on-syria-enacting-recent-political-agreement/
- Keohane, R. O., & Nye, J. S. (1977). Power and interdependence: World politics in transition. Little, Brown.
- Mearsheimer, J. J. (2001). The tragedy of great power politics. W.W. Norton & Company.
- Morgenthau, H. J. (1948). Politics among nations: The struggle for power and peace. Alfred A. Knopf.
- Okano-Heijmans, M. (2013). Economic diplomacy: Japan and the balance of national interests. Martinus Nijhoff Publishers.
- Strange, S. (1988). States and markets. Pinter Publishers.
- van Bergeijk, P. A. G. (2011). Economic diplomacy: The art and science of economic persuasion. In P. A. G. van Bergeijk, M. Okano-Heijmans, & J. Melissen (Eds.), Economic diplomacy: Economic and political perspectives (pp. 1-12). Martinus Nijhoff Publishers.
- World Bank. (2025, October 21). Syria’s post-conflict reconstruction costs estimated at $216 billion. https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2025/10/21/syria-s-post-conflict-reconstruction-costs-estimated-at-216-billion
- UK Government. (2025, July 5). UK re-establishes diplomatic relations with Syria. https://www.gov.uk/government/news/uk-re-establishes-diplomatic-relations-with-syria-in-first-ministerial-visit-for-14-years