أفادت صحيفة ذا ناشيونال الإماراتية، في تقرير نشر بتاريخ 27 مارس 2026، بأن الرئيس السوري أحمد الشرع سيجري أول زيارة رسمية له إلى لندن الأسبوع المقبل، ضمن جولة أوروبية تبدأ ببرلين يوم الإثنين.
ويأتي هذا التحرك بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية الصيف الماضي، وبدء إجراءات إعادة فتح السفارة السورية في لندن منذ نوفمبر 2025، وسبقته لقاءات رفيعة المستوى بين الشرع ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على هامش قمة المناخ COP30 في البرازيل.
كما تُعد الزيارة خطوة نوعية في مسار تطبيع سورية الجديدة مع الغرب، خاصة في ظل الرفع الجزئي والكامل للعقوبات الأوروبية والبريطانية والأمريكية خلال 2025، والذي سمح بعودة الصادرات النفطية السورية لأول مرة منذ 14 عاما. ومن المتوقع أن تعلن لندن خلال الزيارة عن "خطة تمويل صادرات جديدة" لدعم الشركات البريطانية في السوق السورية، مع التركيز على قانون الاستثمار السوري الجديد الذي يتيح الملكية الأجنبية بنسبة 100%.
السياق الجيوسياسي، سورية بين الحرب على إيران ودورها الاستراتيجي:
تأتي الزيارة في سياق إقليمي متوتر، حيث تشهد المنطقة تصعيداً مستمرا في "الحرب على إيران" التي بدأت بضربات أمريكية-إسرائيلية واسعة النطاق في يونيو 2025، وامتدت إلى ضربات متكررة في فبراير ومارس 2026 على منشآت عسكرية ونووية إيرانية، بما في ذلك جزيرة خارج ومناطق صناعية دفاعية. وأدى ذلك إلى إضعاف "محور المقاومة"، وخاصة النفوذ الإيراني في سورية، الذي كان يعتمد على قواعد وميليشيات مرتبطة بالحرس الثوري.
لقد اختارت سورية الجديدة، سياسة حياد براغماتي تجاه هذا التصعيد، مع التركيز على "الخروج من محور إيران" كجزء من إعادة التوازن الجيوسياسي.
يجعل هذا الدور الاستراتيجي سورية شريكا محتملاً للغرب في مكافحة الإرهاب المتبقي (داعش) ومنع عودة النفوذ الإيراني، خاصة مع استمرار الوجود الأمريكي في الشمال الشرقي.
كما وتؤكد تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (مارس 2026) أن سورية تشعر بتداعيات الحرب الإيرانية، لكنها نجحت حتى الآن في الحفاظ على استقرار نسبي، مع انخفاض مستويات العنف إلى أدنى مستوياتها منذ سقوط النظام البائد.
اقتصاديا، أدى رفع العقوبات (البريطاني في أبريل 2025، والأوروبي في مايو 2025، والأمريكي جزئيا) إلى تسارع النمو: يتوقع البنك المركزي السوري نموا يقارب 10% في 2026 (مقابل تقدير البنك الدولي 1% لعام 2025)، مدعوما بعودة اللاجئين وإعادة اندماج سورية في الاقتصاد العالمي.
الرؤية التحليلية المتوقعة للزيارة:
الإيجابيات المتوقعة:
الدعم الاقتصادي المباشر: الخطة البريطانية لتمويل الصادرات ستفتح أبوابا للاستثمار في إعادة الإعمار، خاصة في القطاعات السريعة العائد (الطاقة، الإنشاءات، الزراعة). حيث تعكس زيارة مدير هيئة الاستثمار طلال الهلالي الأخيرة إلى لندن، وتصريحاته حول نموذج "دبي"، تفاؤل الجالية السورية-البريطانية (عبر مجلس الأعمال السوري-البريطاني).
تعزيز الشرعية الدولية: تُعزز الزيارة مكانة الشرع كقائد انتقالي براغماتي، وتُمهد لإعادة فتح السفارات الكاملة، مما يعزز الاستقرار الإقليمي ويُساهم في جذب استثمارات خليجية وأوروبية إضافية.
الدور الأمني المشترك: مناقشات محتملة حول مكافحة داعش والنفوذ الإيراني المتبقي، مع الاستفادة من خبرة بريطانيا في الاستخبارات.
السلبيات والتحديات:
المخاوف الأمنية والحقوقية: رغم رفع العقوبات، لا تزال المخاوف البريطانية قائمة بشأن الإصلاحات الداخلية (الشمولية، حقوق الأقليات، مكافحة الفساد).
كما تشير بعض التقارير إلى استمرار تحديات السيطرة على بعض الفصائل والميليشيات، مما قد يُبطئ تدفق الاستثمارات.
التداعيات الإقليمية للحرب الإيرانية: قد تؤدي الضربات المستمرة إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد أو عودة نشاط إرهابي (كما حدث مع داعش في الشمال الشرقي فبراير 2026)، مما يهدد التعافي الاقتصادي.
الضغوط الداخلية: التركيز على الجالية الخارجية قد يُثير مخاوف داخلية حول "الخصخصة" أو عدم التوازن في توزيع الفرص، خاصة في ظل تحديات الكهرباء والبنية التحتية التي أشار إليها الهلالي نفسه.
الاعتماد على الدعم الخارجي: تأتي الزيارة بعد زيارات أخرى (واشنطن، الخليج)، لكن نجاحها يعتمد على الالتزام بالإصلاحات، وإلا قد تُواجه انتقادات من جهات غربية تركز على "الديمقراطية والحقوق". التوصيات لتجاوز التحديات:
- تعزيز الإصلاحات الداخلية: يجب على الحكومة السورية تسريع إصدار قوانين مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في الاستثمار، مع إشراك القوى الوطنية (بما في ذلك تيار المستقبل السوري) في آليات الرقابة، لضمان ثقة الشركاء الدوليين.
- استراتيجية أمنية مشتركة: اقتراح إطار تعاون أمني سوري-بريطاني-أوروبي لمراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب، مع التركيز على نزع سلاح الميليشيات المرتبطة سابقا بإيران، لتقليل المخاطر الأمنية.
- إشراك الجالية والمجتمع المدني: توسيع دور مجلس الأعمال السوري-البريطاني ليشمل مشاريع تنموية محلية، مع برامج تدريبية للشباب السوري لضمان توزيع عادل للفرص.
- تنويع الشراكات: ربط الزيارة بمبادرات إقليمية (مثل التنسيق مع ألمانيا حول عودة اللاجئين) لتجنب الاعتماد الزائد على طرف واحد، مع الاستفادة من رفع العقوبات لجذب استثمارات في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
- متابعة برلمانية (بحال انعقاد البرلمان) وسياسية لمراقبة تنفيذ مخرجات الزيارة، وضمان أن تكون الاستثمارات مدعومة بضمانات حقوقية وشاملة.
الخاتمة:
تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى بريطانيا فرصة تاريخية لسورية لتعزيز دورها الجيوسياسي كعامل استقرار إقليمي، بعيدا عن محور إيران الذي يواجه ضغوطا غير مسبوقة.
ويظل النجاح في تحويل هذه الزيارة إلى شراكة مستدامة يعتمد على التوازن بين البراغماتية الاقتصادية والالتزام بالإصلاحات الديمقراطية.
ونرى في تيار المستقبل السوري أن هذه الزيارة خطوة إيجابية، شريطة أن تُرافق بإصلاحات داخلية حقيقية تضمن مستقبلا مستقرا ومزدهرا لكل السوريين.