تحديات مرحلة ما بعد الأسد وآليات بناء الدولة

الملخص:

تستعرض هذه الدراسة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بالاستناد إلى تحليل معمق لتقرير مجلس الأطلسي الصادر في آذار/مارس 2026.

وتركز الدراسة على قضيتين محوريتين تعكسان تعقيد المرحلة: عملية الاندماج الهشة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي، والحراك الاجتماعي-السياسي في محافظة السويداء.

تخلص الدراسة إلى أن نجاح المشروع الانتقالي القائم على "الوسطية والاندماج" رهن بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين الضغوط الخارجية (الأميركية – التركية – الإسرائيلية) والمطالب الداخلية المشروعة، مع تقديم رؤية استشرافية وتوصيات واقعية تراعي ظروف المرحلة.

المقدمة:

يشكل سقوط نظام الأسد حدثاً مفصلياً في التاريخ السوري المعاصر، غير أن الانتقال من الاستبداد إلى بناء دولة المواطنة والمؤسسات ينطوي على تعقيدات هائلة.
فكما يشير تحليل مجلس الأطلسي، ورثت الحكومة الجديدة دولة منهكة، تعاني من تشوهات بنيوية عميقة تراكمت على مدى خمسة عقود من الحكم البعثي، وعشر سنوات من الحرب المدمرة.
لا تقتصر التحديات على الجانب الأمني المتمثل بفلول النظام البائد أو دمج الفصائل، بل تمتد لتشمل إعادة بناء الثقة مع مكونات اجتماعية متعددة (كرد، دروز، علويين) تعرضت لسياسات تهميش ممنهجة، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً إقليمية ودولية متشابكة.

وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل معمق للمشهد السوري بعد عام من المرحلة الانتقالية، مع التركيز على ديناميكيات الاندماج والتوازن التي تمثل جوهر استراتيجية الرئيس الشرع. سنعتمد على تقرير مجلس الأطلسي (آذار 2026) كنقطة انطلاق، ونوسع التحليل بالاستناد إلى تقارير دولية وإحصاءات حديثة صادرة عن منظمات مثل البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وذلك للإجابة عن السؤال الرئيس: إلى أي مدى يمكن لسياسات الوسطية والاندماج أن تنجح في إدارة التحديات المعقدة للمرحلة الانتقالية في سورية، وخصوصاً في ملفي قسد والسويداء؟

أولاً، تحديات بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع:

يعاني المشهد السوري من إرث ثقيل تمثّل في غياب مؤسسات دولة حقيقية تعمل وفق معايير الشفافية والمواطنة.
فلقد كانت أجهزة المخابرات وحزب البعث هي الأدوات الفعلية للحكم في عهد الأسد، مما خلق ثقافة سياسية تقوم على المحسوبية والفساد والوصاية الخارجية.

ومع انهيار هذا الهيكل في كانون الأول 2024، برز فراغ في السلطة وسيطرة فصائلية على مقاليد الأمور، مما أثار مخاوف مشروعة لدى العديد من السوريين والدوليين من استبدال استبداد باستبداد آخر، أو الوقوع في فوضى جديدة.

ويمثل الملف الاقتصادي التحدي الأكبر والأكثر إلحاحاً.
فوفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في كانون الثاني 2026، تقدر تكلفة إعادة الإعمار في سورية بنحو 250-300 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير التقديرات الأولية (التي أشار لها تقرير مجلس الأطلسي بـ 200 مليار)، ويعكس حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والقطاع الإنتاجي.

وبخصوص البطالة والفقر، تشير بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) لشهر شباط 2026 إلى أن أكثر من 85% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة البطالة تصل إلى 55% من القوى العاملة، مع تفاقم الوضع بشكل خاص بين الشباب والنساء.
هذا، ولقد كان رفع قانون "قيصر" خطوة ضرورية لكنها غير كافية. فالعقوبات الأميركية الأولية (التي فرضت منذ 1979) ما زالت تشكل عائقاً نفسياً وقانونياً أمام الاستثمارات الكبرى، لا سيما الأوروبية والأميركية.

هذا ويظهر هناك اهتمام لشركات تركية وأميركية، لكن تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات فعلية يتطلب بيئة تشريعية مستقرة وضمانات سيادية، وهو أمر ما زال قيد التكوين.

ثانياً، قسد والاندماج المعلق:

يُعد ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المقياس الأكثر دقة لنجاح سياسة الاندماج التي تنتهجها دمشق. يقدم تقرير مجلس الأطلسي سرداً مفصلاً لتطورات هذا الملف، من اتفاق آذار 2025 إلى الاشتباكات في حلب وانسحاب قسد شبه الكامل من الرقة والحسكة مطلع عام 2026، وصولاً إلى الاتفاق الجديد الموقع في 30 كانون الثاني 2026.

تحليل التطورات:

نقاط القوة في الاتفاق الجديد: يمثل المرسوم الرئاسي بمنح الجنسية السورية للكرد والاعتراف بعيد النوروز خطوة تاريخية وجوهرية تعالج مظلمة عمرها عقود. كما أن الاتفاق على دمج قسد في وزارتي الدفاع والداخلية يضع حداً عملياً لفكرة الازدواجية المؤسسية التي كانت سائدة.

نقاط الضعف والهشاشة: رغم الاتفاق، لا تزال عملية الاندماج في مراحلها الأولى، وتواجه عقبات كبيرة تتمثل بـ:

  1. الرفض الداخلي: رفض بعض الفصائل الكردية التخلي عن فكرة الفيدرالية، كما ورد في التقرير، يمثل تياراً معارضاً قوياً قد يعرقل التنفيذ.
  2. الثقة المفقودة: سنوات من القتال والإدارة المنفصلة خلقت جواً من عدم الثقة يتطلب وقتاً وجهوداً كبيرة لبناء جسوره. فالسيطرة الحكومية على آبار النفط ومؤسسات الإدارة الذاتية، رغم ضرورتها لوحدة الدولة، ستواجه مقاومة بيروقراطية وشعبية في المنطقة.
  3. التدخلات الخارجية: وجود القوات الأميركية في الشمال الشرقي كحليف تاريخي لقسد يضفي تعقيداً إضافياً. فدور واشنطن كوسيط (من خلال السفير براك) هو دور حساس، لكن استمرار وجودها العسكري قد يُضعف قبضة الحكومة المركزية ويغذي مطالب الانفصال.

ثالثاً، السويداء.. نموذج آخر لصعوبة بناء التوافق الوطني:

لا تقل حالة السويداء تعقيداً عن ملف الشمال الشرقي، وإن اختلفت دوافعها.
فهناك تورط لمقاتلين دروز بمنهجية طائفية تحت عباءة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري، وذلك في اشتباكات وعمليات عنف خلال صيف 2025، وإلى مطالب بالاستقلال من قبل شخصيات على رأسها شيخ الطائفة حكمت الهجري.
يعكس ذلك حالة من التململ والقلق لدى الطائفة الدرزية التي تتمتع بخصوصية اجتماعية وتاريخية.

جذور المشكلة وتداعياتها:

  1. الخوف من التغيير: عانى الدروز، مثل غيرهم من الأقليات، من سياسات النظام البائد، لكنهم حافظوا على نوع من الاستقرار النسبي في منطقتهم. والخوف من هيمنة إسلاميين على الحكم الجديد، ومن تكرار سيناريوهات العنف الطائفي التي شهدتها مناطق أخرى، يغذي نزعات العزلة أو المطالبة بحكم ذاتي موسع.
  2. الانقسام الداخلي: المجتمع الدرزي في السويداء ليس كتلة واحدة؛ فهناك تيارات مؤيدة للاندماج في الدولة الجديدة بضمانات، وأخرى متحفظة تدفع نحو اللامركزية، وقوى تقليدية تخشى فقدان نفوذها. ويبدو أن استغلال بعض القوى الخارجية لهذه الانقسامات يزيد من تعقيد المشهد.
  3. الأبعاد الإقليمية: الموقف الإسرائيلي المتوجس من الوجود التركي أو الإسلامي في سورية ينعكس على السويداء، حيث تسعى تل أبيب لاستغلال أي احتقان لصالحها، مما يضع دمشق في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية.

رابعاً، المعادلة الإقليمية والدولية – لاعبون كثر على رقعة الشطرنج السورية:

لم تعد سورية ساحة صراع محلي فقط، بل أصبحت مسرحاً لتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
ويبرز التقرير دوراً حاسماً لعودة الرئيس ترامب في خلق انفراجة، عبر علاقته المميزة مع أردوغان وموقفه المتشدد تجاه إسرائيل (الذي حد من طموحاتها العسكرية المباشرة داخل سورية وفق التقرير).

تحليل الأدوار:

  • الولايات المتحدة: تتبنى واشنطن نهجاً براغماتياً بقيادة السفير براك، يقوم على رفع العقوبات مقابل ضمانات سياسية وأمنية، مع الإبقاء على تواجد عسكري محدود كورقة ضغط في ملفات عدة. ويبدو نجاح هذا النهج مرهون باستقرار الحكومة السورية وعدم انزلاقها إلى صراعات طائفية.
  • تركيا: هي المستفيد الأكبر اقتصادياً وسياسياً من المرحلة الجديدة. فحضورها القوي في قطاع الطاقة والإنشاءات يجعلها شريكاً أساسياً في إعادة الإعمار. لكن وجودها العسكري في الشمال وعلاقتها مع فصائل المعارضة السابقة يبقيان ملفاً مفتوحاً يحتاج إلى معالجة ضمن اتفاق شامل.
  • إسرائيل: تواصل إسرائيل سياسة "الضربات الاستباقية" ضد أي تهديدات محتملة، كما أشار التقرير إلى استمرار الضغط منها.

ويُبقي التوتر مع تركيا في سورية، والقلق من أي تقارب سوري-إيراني مستقبلي، يُبقيان الملف السوري على رأس أولويات الأمن القومي الإسرائيلي، مما ينذر بتصعيد محتمل.

خاتمة:
استناداً إلى التحليل السابق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة في سورية:

  1. السيناريو التفاؤلي (الاندماج التدريجي): تنجح الحكومة في تنفيذ اتفاقي قسد ومن ثم إذا نجح تأتي السويداء بشكل تدريجي، مع بناء مؤسسات أمنية مهنية وجيش وطني موحد.
    وتتدفق الاستثمارات الخليجية والتركية والغربية تدريجياً، مما يحسن الوضع الاقتصادي ويخفف حدة التوتر الاجتماعي. ويستمر الدعم الدولي المشروط، وتتراجع حدة التدخلات الخارجية.
    ويتطلب هذا السيناريو قيادة حكيمة وصبراً طويلاً.
  2. السيناريو التشاؤمي (الانتكاسة والعودة للتوتر): يفشل ملفا قسد والسويداء بسبب التعنت الداخلي أو الضغوط الخارجية، وتتجدد الاشتباكات. تتعثر الإصلاحات الاقتصادية بسبب الفساد وغياب الرؤية، ويتراجع الدعم الدولي. تستغل القوى الإقليمية (إسرائيل) الفوضى لتعزيز نفوذها، مما يعيد سورية إلى دائرة الصراع. هذا السيناريو يهدد وحدة البلاد ويجهض آمال السوريين.
  3. السيناريو الواقعي (التوازن الهش المستدام): وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً. تستمر الحكومة في مسار الوسطية، ويتم تنفيذ الاتفاقات جزئياً مع استمرار الخلافات تحت السطح.
    يتحسن الوضع الاقتصادي بشكل بطيء وغير متوازن، مما يخلق مراكمة شعبية محدودة.
    ويبقى الدعم الدولي قائماً ولكن بحذر، وتستمر بعض التدخلات الخارجية بشكل محدود، فيما تتعلم الأطراف الداخلية إدارة خلافاتها سلمياً.

وعليه، فإننا في تيار المستقبل السوري وانطلاقا من ظروف المرحلة الانتقالية نوصي بالآتي:

  1. توصيات للحكومة السورية:
    · تدرج التنفيذ وبناء الثقة: البدء بتنفيذ الاتفاقات مع قسد والسويداء بخطوات صغيرة قابلة للقياس، مع إشراك القوى المحلية في لجان التنفيذ والمتابعة.
    وإعطاء أولوية للملفات الخدمية والأمن المشترك قبل الخوض في التفاصيل السياسية الكبرى.
    · الحوكمة ومكافحة الفساد: إنشاء هيئة عليا لمكافحة الفساد والشفافية بإشراف دولي، لإرسال إشارة إيجابية للمستثمرين والمانحين.
    وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني الرقابي.
    · تعزيز الخطاب الجامع: مواصلة تبني خطاب سياسي وديني يعزز المواطنة ويحترم خصوصيات جميع المكونات، وترجمة ذلك في المناهج التعليمية والإعلام الرسمي.
  2. توصيات للمجتمع الدولي:
    · الدعم المشروط الذكي: ربط تقديم المساعدات المالية والفنية بتحقيق معايير واضحة ومتفق عليها في مجالات الحكم الرشيد وحقوق الإنسان، مع تجنب فرض شروط تعجيزية تضعف الحكومة.
    · دور أممي موحد: تكثيف جهود المبعوث الأممي لسورية للجمع بين الأطراف الداخلية والإقليمية على طاولة حوار واحدة، بهدف بلورة تفاهمات حول قضايا السيادة والوحدة ومكافحة الإرهاب.
    · معالجة الملفات الإنسانية: العمل على برامج عاجلة لإعادة اللاجئين بشكل طوعي وآمن، ودعم مشاريع التعافي المبكر في المناطق المحررة حديثاً، بما يحد من فرص عودة التطرف والعنف.
    بعد عام على رحيل الأسد، تقف سورية على أعتاب مرحلة مفصلية.


سياسات "الوسطية والاندماج والتوازن" التي ينتهجها الرئيس الشرع، كما يصفها تقرير مجلس الأطلسي، هي العنوان الأبرز للمرحلة. لكن نجاحها ليس مضموناً، بل هو رهين قدرة القيادة الجديدة على تحويل هذه الشعارات إلى ممارسات ملموسة على الأرض، في مواجهة إرث ثقيل من التشظي وعدم الثقة وتدخلات خارجية متعددة.
الملفان الأكثر تعقيداً، قسد والسويداء، سيبقيان مؤشرين رئيسيين على صحة المسار الانتقالي.

ونرى أنه ما تزال الفرصة سانحة لبناء سورية جديدة، لكن نافذتها تضيق مع مرور الوقت، وتتطلب حكمة استثنائية من جميع الأطراف، داخلياً وخارجياً، لالتقاطها قبل أن تغلق.

قائمة المصادر:

  • مجلس الأطلسي (ترجمة موقع تلفزيون سوريا). (13 آذار 2026). "مجلس الأطلسي: الوسطية والاندماج والتوازن.. هل ينجح الشرع في إدارة التحديات؟".
  • البنك الدولي. (كانون الثاني 2026). تقرير مرحلي عن الأثر الاقتصادي للصراع في سورية واحتياجات إعادة الإعمار.
  • مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (شباط 2026). لمحة عامة عن الاحتياجات الإنسانية في سورية.
  • اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية. (أيلول 2025). تقرير عن الانتهاكات في المناطق الساحلية والسويداء.
  • تقرير غرفة التجارة الأميركية. (كانون الأول 2025). آفاق الاستثمار في سورية ما بعد النزاع.

شاركها على:

اقرأ أيضا

دعوة للمشاركة في الإفطار الأخوي بمناسبة شهر رمضان المبارك من كنيسة ودير الرهبان السالزيان في دمشق

دعوة لرئيس تيار المستقبل السوري للمشاركة في الإفطار الأخوي بكنيسة ودير الرهبان السالزيان في دمشق بمناسبة شهر رمضان لتعزيز الروابط

14 مارس 2026

إدارة الموقع

ريف السويداء الشرقي ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم

بيان تيار المستقبل السوري حول منع المزارعين من أراضيهم في ريف السويداء الشرقي ودعواتهم لإعادة الحقوق.

14 مارس 2026

إدارة الموقع