تحليل نقدي للتعميم الصادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة بتاريخ 25 آذار 2026

المقدمة:

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة تعميماً جديداً في إطار الجهود المبذولة لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري خلال المرحلة الانتقالية، وذلك بتاريخ 25 آذار/مارس 2026 حيث يهدف إلى توحيد إجراءات العمل في دوائر الشركات وأمانات السجل التجاري عبر جميع المحافظات.

هذا، ويأتي هذا التعميم في سياق أوسع يشهد زيادة ملحوظة في تسجيل الشركات الأجنبية وفروعها خلال عام 2026، حيث سُجلت 58 فرعاً لشركات أجنبية منذ بداية العام، مقارنة بـ67 فرعاً طوال عام 2025، بالإضافة إلى 35 شركة تضم مساهمين أجانب.
ويُعد هذا التعميم محاولة لتنظيم النشاط التجاري وتبسيط الإجراءات الإدارية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول التوازن بين الضبط التنظيمي والمرونة المطلوبة لإنعاش القطاع الخاص في اقتصاد ما بعد النزاع.

محتوى التعميم الرئيسي:
يتمحور التعميم حول عدة نقاط أساسية:

  • توحيد الإجراءات: اعتماد دليل التصنيف الصناعي السوري الموحد (SYRSIC) لتحديد الأنشطة التجارية (رئيسية، ثانوية، أو داعمة).
  • الحد الأقصى للأنشطة: السماح بتضمين ما يصل إلى خمسة أنشطة غير متجانسة في السجل التجاري الواحد (مقابل ثلاثة سابقاً في بعض الحالات).
  • تنظيم الاستيراد والتصدير: إلزام تدوين عبارة "استيراد وتصدير" صراحة مع تحديد المواد أو القطاعات المعنية (بحد أقصى خمسة قطاعات).
  • قيود على بعض العبارات: منع إدراج عبارات عامة مثل "الدخول في المناقصات والمزايدات" إلا إذا كانت مرتبطة مباشرة بغاية الشركة الأساسية.
  • تفعيل سجل المصدرين: منح مهلة ثلاثة أشهر (من 1 نيسان إلى 30 حزيران 2026) لتجديد سجل المصدرين لدى هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، مع إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمصدرين.
  • ضوابط على المستثمرين الأجانب: وضع قيود محددة على منح السجلات التجارية لغير السوريين، مع استثناءات محدودة في قطاعات معينة.

الجوانب الإيجابية:

يمثل التعميم خطوة مهمة في معالجة الفوضى الإدارية التي سادت خلال عقود سابقة. فتوحيد الإجراءات عبر المحافظات يقلل من التباين الإداري، ويعزز الشفافية من خلال قاعدة بيانات مركزية للمصدرين. كما أن اعتماد التصنيف الصناعي الموحد يساعد في رسم صورة أدق عن الهيكل الاقتصادي السوري، وهو أمر أساسي لوضع سياسات صناعية وتجارية مدروسة.
يساهم (من الناحية النظرية) مثل هذا التنظيم في مكافحة بعض أشكال الاقتصاد غير الرسمي ويمهد لتحسين بيئة الأعمال، خاصة في ظل الزيادة المسجلة في تسجيل الشركات الأجنبية التي تعكس تحسناً نسبياً في الثقة الاستثمارية بعد رفع بعض العقوبات.

الجوانب النقدية:

يتسم التعميم رغم الإيجابيات، بطابع تنظيمي ضبطي أكثر منه تحفيزياً. كما يُثير الحد الأقصى للأنشطة (خمسة فقط) مخاوف من تقليص المرونة التي يحتاجها القطاع الخاص، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الجديدة في مرحلة انتقالية تتسم بعدم اليقين.
كذلك، القيود على المستثمرين الأجانب قد تبطئ من تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، رغم الاستثناءات المحدودة.
أما إلزام تحديد القطاعات المستوردة بدقة، فيحمل مخاطر بيروقراطية إضافية قد تعيق الاستجابة السريعة لتغيرات السوق.
ويبدو التركيز الأكبر على "الضبط" بدلاً من تقديم حوافز جمركية أو مالية مصاحبة، مما قد يحد من قدرة التعميم على تحفيز الإنتاج المحلي والتصدير.
تتوافق هذه القيود جزئياً مع رؤية تيار المستقبل السوري، الذين يطالب بتبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، لكننا بالوقت نفسه نُخذر من أن التنظيم المفرط قد يعيق النمو في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

الخاتمة:

يُعد التعميم خطوة تنظيمية ضرورية، لكنه يحتاج إلى تطوير ليصبح أداة فاعلة في بناء اقتصاد سوري تنافسي ومستدام. الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يتجاوز توحيد الإجراءات إلى خلق بيئة أعمال مرنة تعتمد على الشفافية، سيادة القانون، وحماية الملكية الخاصة.

وعليه، فإننا في المكتب الاقتصادي لـِ تيار المستقبل السوري نقترح:

  • مراجعة مرنة: إعادة النظر في سقف الأنشطة الخمسة، خاصة في المدن الصناعية والمناطق ذات الأولوية التنموية، مع توسيع الاستثناءات للمشاريع الاستثمارية الجادة والشركات الناشئة.
  • التحول الرقمي: ربط قاعدة البيانات الجديدة بنظام إلكتروني موحد يتيح الوصول السريع والشفاف، مع نشر تقارير دورية عن نتائج التطبيق وتأثيره الميداني.
  • حزمة حوافز مصاحبة: تطوير إجراءات تحفيزية جمركية ومالية وتسهيلية لتشجيع الإنتاج المحلي والتصدير، لتحقيق توازن بين الضبط والتحفيز.
  • الشراكة المؤسسية: إشراك غرف الصناعة والتجارة والمجتمع المدني الاقتصادي في تقييم التأثير الميداني للتعميم، مع التركيز الخاص على دور الشباب والمرأة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  • الربط بالرؤية الوطنية: دمج التعميم ضمن استراتيجية اقتصادية شاملة تركز على التنمية المستدامة والمواطنة الاقتصادية المتساوية.

التشاور مع المجتمع الأهلي والقطاع الخاص والقوى الوطنية لتوسيع النظر وملائمة الإجراءات المتخذة للواقع السوري المعاش.
وأخيرا، إن سورية المستقبل تحتاج إلى اقتصاد يجمع بين التنظيم الفعّال والمرونة الكافية ليصبح محركاً للنمو والاستقرار. ونرى بالعمون أن هذا التعميم فرصة يجب استغلالها بذكاء لتعزيز الثقة بالمؤسسات الاقتصادية الجديدة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تأمين الكنائس والمصلين خلال احتفالات عيد الشعانين

تيار المستقبل السوري يثمن تأمين الكنائس والمصلين خلال عيد الشعانين لضمان سلامة الجميع في احتفالة دينية.

30 مارس 2026

إدارة الموقع

التقرير الختامي لوزارة الإدارة المحلية والبيئة حول تقييم أضرار البنية التحتية في محافظة حلب

تقرير شامل عن تقييم أضرار البنية التحتية في حلب يعرض خرائط بيانية وبيانات دقيقة لدعم خطط التعافي.

30 مارس 2026

إدارة الموقع