انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف

تمهيد:

أكملت القوات الأمريكية في 11–12 فبراير 2026، انسحابها المنظم والمدروس من قاعدة التنف الاستراتيجية في جنوب شرق سورية، وسلمتها رسمياً لقوات الجيش السوري الحكومي بتنسيق مباشر بين الجانبين، كما أكدت وزارة الدفاع السورية وقيادة القوات المركزية الأمريكية (CENTCOM).

يُعد هذا الحدث تحولاً مفصلياً في الوجود العسكري الأمريكي بسورية، بعد نحو عقد من إنشاء القاعدة عام 2014 ضمن عملية "التصميم الثابت" (Operation Inherent Resolve) لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مع دور رئيسي في مراقبة النفوذ الإيراني والممر البري نحو حزب الله.

يأتي الانسحاب في سياق تطورات سياسية وعسكرية أوسع، تشمل تعزيز العلاقات الأمريكية-السورية بعد سقوط نظام الأسد، وانحسار النفوذ الإيراني في سورية، وتصاعد التوترات الإقليمية مع إيران.

يهدف هذا التحليل إلى تفكيك الأبعاد الأربعة للانسحاب، ثم تقييم الفرضية القائلة بأنه تمهيد تكتيكي لضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، مستنداً إلى الوقائع الميدانية والتصريحات الرسمية المتاحة حتى 12 فبراير 2026.

تحليل الانسحاب، الأبعاد الأربعة:

أ. البعد السياسي، اعتراف أمريكي بدمشق الجديدة ونهاية شرط الاعتراف:

يمثل تسليم قاعدة التنف اعترافاً ضمنياً واضحاً من واشنطن بشرعية الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

فقد أُنشئت القاعدة أصلاً كرمز لمقاومة النفوذ الإيراني ودعم قوى معارضة للنظام البائد، واستمرار الوجود الأمريكي بعد سقوط الأسد كان سيُقوض شرعية دمشق الجديدة.

لهذا فإن التسليم المنسق يعكس تحولاً في النظرة الأمريكية، حيث لم تعد القيادة السورية تُصنف كجماعة إرهابية في السياق السوري، بل كشريك أمني محتمل. يتزامن ذلك مع لقاءات سابقة في البيت الأبيض (نوفمبر 2025) ورفع جزئي للعقوبات، مما يشير إلى اختبار ناجح لحسن النوايا ومنح ثقة تنفيذية.

كما يرسل الانسحاب رسالة إلى إسرائيل والأردن بأن واشنطن ترى دمشق قادرة على ضبط الحدود، مما يعزز التطبيع الكامل.

ب. البعد الاستراتيجي، تحول من الدفاع الثابت إلى الهجوم المتحرك:

فقدت القاعدة عدوتها الرئيسية مع انسحاب الميليشيات الإيرانية من سورية وانهيار الممر البري.

حيث كانت مهمتها الأصلية مزدوجة: مكافحة داعش ورصد الجسر الإيراني إلى حزب الله.

وبعد هزيمة داعش الإقليمية (2019) وانسحاب إيران، أصبحت القاعدة عبئاً دفاعياً ثابتاً في مواجهة خلايا متحركة.
وقد عكس الانسحاب تحولاً استراتيجياً نحو الهجوم المتحرك من قواعد خلفية في الأردن (مثل Tower 22) والعراق، مع الحفاظ على القدرة على الرد السريع ضد داعش.

كما أن التزامن مع نقل معتقلي داعش من سجون قسد إلى العراق يشير إلى صفقة متكاملة: سورية تأخذ الأرض، وأمريكا تأخذ "الرؤوس الخطرة".

ج. البعد الجيوبوليتيكي، إغلاق الممر الإيراني وصعود محور بديل:

يُغلق الانسحاب نهائياً الممر البري الإيراني عبر سورية، الذي كان التنف "سداً" له.
وسيطرة الحكومة السورية الجديدة (غير متحالفة مع إيران) تعني خسارة طهران لهذه الورقة إلى الأبد. حيث يبرز محور بديل (دمشق–عمان–بغداد) كبديل جيوسياسي، مع اتفاقات محتملة لإدارة المعابر.

وتحافظ واشنطن على وجود قريب (22 كم في الأردن)، مما يعني "خروجاً من سورية لكن عيون على الحدود".

كما يتزامن التوقيت مع مفاوضات نووية في عمان، مشيراً إلى تبادل أمريكي ايراني عنوانه: سحب ورقة ضغط عسكرية مقابل تهدئة إيرانية.

د. البعد الجغرافي السياسي، استعادة السيادة الكاملة وتمهيد لانسحاب أوسع:

أنهى الانسحاب "دولة داخل دولة" في منطقة الـ55 كم المحظورة، وأعاد السيادة على المثلث الحدودي (سوريا–العراق–الأردن)، مع إنهاء مخيم الركبان كورقة إنسانية/سياسية.

ويبدو أنه يقلل ذلك من مخاطر الاحتكاك المباشر مع إيران، ويهيئ لانسحاب أكبر من شمال شرق سورية (حقول النفط وقسد)، خاصة بعد اتفاقات دمج قسد بالجيش السوري. كما يُختبر الجيش السوري الجديد في تأمين المنطقة الشاسعة، مما يعتمد على كفاءته لكسب شرعية دولية إضافية أو تجنب فراغ يعيد داعش.

تقييم فرضية "الانسحاب تمهيداً لضربة إيران":
تدعم هذه الفرضية أدلة تكتيكية قوية تتمثل بـ:

سحب استباقي لأفراد من قواعد في قطر (العديد) والبحرين قبل أسابيع، كرد على تهديدات إيرانية صريحة باستهداف قواعد أمريكية في الدول المضيفة إذا تعرضت إيران لضربة ما.

كما يدعمها تقديرات إسرائيلية وغربية عن هجوم وشيك محتمل.
لكن على مستوى التنف تحديداً، تعارض هذه الفرضية أن الانسحاب كان منظماً، وعلنياً، وتسليمياً سيادياً (نقل إلى الأردن)، وليس هروباً سرياً. حيث فقدت القاعدة غايتها أساساً بعد انحسار إيران، وتزامن مع هجوم إيراني سابق (عبر ميليشيات) دون رد أمريكي، مما يشير إلى عدم رغبة في الاستنزاف.

الخلاصة:

تخفيض الأعباء الاستراتيجية وليس الاستعداد للضربة المباشرة هو العنوان، فالانسحاب أذا كما يظهر ليس تمهيداً مباشراً لضربة،

بل تداخل بين عمليتين:

  • تخفيف استباقي من نقاط ضعف (قطر، البحرين) قبل تصعيد محتمل مع إيران.
  • إغلاق ملف استراتيجي منتهٍ الصلاحية (التنف) بعد انتهاء مهمته. والتوقيت ليس مصادفة، فأمريكا لا تريد حراسة قاعدة صحراوية مكشوفة بينما تُعد لمعركة كبرى.
    يعكس ذلك تخفيضاً استراتيجياً للأعباء، مع الحفاظ على قدرة رد سريع ضد داعش.

الخاتمة:

يمثل انسحاب التنف نهاية حقبة جيوسياسية: سورية استعادت سيادتها، وإيران خسرت ممرها، وأمريكا حولت عبئاً عسكرياً إلى ورقة سياسية تدعم بها الحكومة الجديدة.

هذا، ويعتمد القادم على قدرة دمشق على تأمين الحدود، ومدى التصعيد الإيراني-الأمريكي. ليبقى الشمال الشرقي التحدي الأكبر للانسحاب الكامل، حيث يتطلب تسريع دمج قسد وتعزيز التنسيق الأمني مع الأردن والعراق لملء أي فراغ أمني محتمل بسرعة، وتجنب عودة نشاط داعش.

شاركها على:

اقرأ أيضا

اليوم العالمي للإذاعة

أهمية اليوم العالمي للإذاعة في ربط الثقافات وتعزيز التسامح من خلال الصوت الحر والتواصل الإنساني.

13 فبراير 2026

إدارة الموقع

ماذا عن عودة كوادر حزب العمال الكردستاني من سورية إلى قنديل

عودة كوادر حزب العمال الكردستاني من سورية إلى قنديل وأهمية هذه الخطوة في السياق السياسي الإقليمي.

12 فبراير 2026

إدارة الموقع