قراءة تحليلة:
تمثل العلاقة بين سورية وحزب الله نموذجاً للتحالفات الإقليمية المتشابكة في الشرق الأوسط، حيث ربطت بين مصالح مشتركة في مواجهة إسرائيل ودعم إيراني متين.
بدأت هذه الشراكة في الثمانينيات، حين دعم نظام حافظ الأسد تأسيس حزب الله بعد صراع معه بسبب توتر العلاقة مع ايران، وذلك كقوة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، مستخدماً إياه كأداة للضغط غير المباشر على إسرائيل دون تورط مباشر.
وكانت سورية الجسر البري الرئيسي لنقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله، مما عزز قدراته العسكرية وجعله عنصراً أساسياً في "محور المقاومة" الإيراني.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحول التحالف إلى تعاون عسكري مباشر. حيث أرسل حزب الله آلاف المقاتلين لدعم نظام بشار الأسد ضد الثورة الشعبية، مساهماً في قمع الانتفاضة وارتكاب انتهاكات حقوقية، كما وثقت تقارير أممية. وكان دوره حاسماً في معارك مثل القصير عام 2013، حيث ساعد في استعادة سيطرة النظام البائد على مناطق حيوية.
مقابل ذلك، تلقى حزب الله دعماً لوجستياً وتدريبياً، مما عزز نفوذه الإقليمي.
إلا أن هذا التدخل أدى إلى خسائر بشرية كبيرة لحزب الله، مع مقتل آلاف من عناصره، وأثار استياءً شعبياً في لبنان وسورية، معتبراً إياه تدخلاً طائفياً يعمق الشقوق الاجتماعية.
التطورات الأخيرة.. من السقوط إلى التوترات الأمنية:
مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، دخلت العلاقات مرحلة عداء مفتوح، لتعكس تحولاً جذرياً في التوازنات الإقليمية. وبعد تشكيل سورية الجديدة لحكومة انتقالية، تم معها الاعلان رسميا عن قطع الطرق الإيرانية التي كانت تمد حزب الله بالأسلحة والمخدرات مثل الكبتاغون.
وفي الأشهر اللاحقة، شهدت الحدود السورية-اللبنانية تصعيداً أمنياً، حيث شنت قوات الجيش السوري الجديد عمليات ضد مواقع حزب الله، مما أدى إلى تدمير منشآت وإغلاق ممرات التهريب.
كما أكدت الحكومة السورية رفضها لأي نشاط لحزب الله داخل أراضيها، معتبرة إياه تهديداً للوحدة الوطنية.
من جانبه، نفى حزب الله تورطه في سورية، محاولاً الابتعاد عن الاتهامات السورية بعمليات تخريبية، لكنه اعترف بفقدان طرق الإمداد البرية بعد سقوط الأسد.
أحدث التطورات جاءت في يناير 2026، مع اعتقال خلية أمنية في منطقة المزة بدمشق، متهمة بشن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على المنطقة ومطارها العسكري.
وكانت أعلنت وزارة الداخلية السورية أن الأسلحة المضبوطة، بما في ذلك صواريخ وطائرات مسيرة، تعود أصولها إلى حزب الله، مشيرة إلى روابط مع "جهات خارجية" دون اتهام مباشر للحزب، مما يترك الباب موارباً لتفسيرات متعددة.
سارع حزب الله إلى نفي أي صلة بالخلية، معتبراً الاتهامات "عشوائية" ومؤكداً أنه ليس لديه أي نشاط أو روابط مع مجموعات داخل سورية.
وفي بيانه، أعرب الحزب عن دعمه لاستقرار سورية ووحدتها، مما يشير إلى محاولة تهدئة التوترات.
تأتي هذه الحادثة في سياق تشابك أمني إقليمي، حيث أصبحت سورية جزءاً من تحالف أمني دولي يشمل 90 دولة، مع فتح قنوات مخابراتية واسعة، بما في ذلك تعاون مع الولايات المتحدة لمواجهة نفوذ إيران وحزب الله.
كما أن ضربات إسرائيلية على معابر حدودية في يناير 2026 أعاقت محاولات حزب الله لاستعادة أسلحته من سورية، مما يعزز من ضعفه اللوجستي.
تقدير الموقف:
يعكس العداء الحالي تحولاً في توازن القوى، يعزز نفوذ تركيا والدول السنية على حساب إيران.
وكانت قد تبنت دمشق نهجاً براغماتياً يركز على إعادة الإعمار وتحسين العلاقات الدولية، مستفيدة من دعم تركي لتعزيز سيطرتها.
ويبقى أن حزب الله يظل عدواً رئيسياً بسبب ارتباطه بالنظام البائظ ودوره في قمع الثورة.
ولكن وبالنسبة لحزب الله، يمثل فقدان الدعم السوري ضربة قاسية، مع عزلة جغرافية وعسكرية بعد خسائره أمام إسرائيل.
يزيد هذا الضعف من الضغوط الداخلية في لبنان، حيث يطالب البعض بتفكيك سلاحه ودمجه في الدولة.
كما وتحاول إيران التواصل غير المباشر مع دمشق عبر وسطاء مثل تركيا وقطر، لكنها تفضل الانتظار لتقييم استقرار النظام الجديد.
وفي سياق حادثة المزة، يبدو أن هناك محاولات لجر الطرفين إلى صدام، ربما من قبل إسرائيل التي تسعى لصرب أعدائها ببعضهم، وذلك لتعزيز الشقاق، ولكن سياسة "الغمز" السورية – الاتهام غير المباشر – قد تفتح صفحة جديدة، خاصة مع بيان حزب الله الداعم للاستقرار.
هذا، ويمتلك حزب الله نفوذاً محتملاً عبر آلاف الفلول (بقايا النظام البائد النازحون في لبنان)، حيث يُشاع أن ألفاً منهم يعدون لسيناريوهات حربية، مدعومة من جهات خارجية.
كما يسيطر الحزب على ملف المعتقلين السوريين في سجون الدولة اللبنانية، وقد يعرقل تسليمهم كورقة ضغط عبر المحكمة العسكرية التي يحتكرها الحزب، أضافة لنوابه بالبرلمان اللبناني وحليفه نبيه بري رئيس حركة أمل والبرلمان.
ومع ذلك، يشير اتفاق لبناني-سوري حديث في 30 يناير 2026 إلى إمكانية التهدئة، حيث وافق مجلس الوزراء اللبناني على نقل حوالي 300 سجين سوري محكوم عليهم من السجون اللبنانية إلى سورية لإكمال عقوباتهم، بشرط موافقتهم، وذلك بعد مفاوضات استمرت أشهراً لتخفيف الازدحام في السجون اللبنانية وتعزيز التنسيق الأمني بين البلدين.
يمثل هذا الاتفاق، الذي يشمل سجناء قضوا على الأقل 10 سنوات في اتهامات لبنانية خطيرة، يمثل خطوة عملية نحو حل الملفات الإنسانية المشتركة، رغم استمرار قضايا أخرى مثل مصير المفقودين اللبنانيين في السجون السورية السابقة.
أخيرا .. بين المخاطر والفرص:
قد يؤدي هذا التوتر إلى إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية. ولكن إذا نجحت الإدارة السورية في تحقيق استقرار اقتصادي وإصلاحات، قد تندمج في المحور السني-تركي، مع إمكانية تطبيع مع إسرائيل أو اتفاقات أمنية، مما يعزل حزب الله ويضعف إيران. ومع ذلك، إذا فشلت دمشق في التحول إلى حكم مستقر قد تعود التوترات الداخلية، مما يتيح لحزب الله استغلال الفوضى وإعادة دوره كلاعب مؤثر بالإقليم مرة أخرى.
وفي أسوأ السيناريوهات، يؤدي التصعيد الحدودي المتوقع بين سورية ولبنان إلى نزاع إقليمي، خاصة مع تدخل إسرائيل أو تركيا.
أما في أفضلها، فقد ينبت خيرٌ من الشر، حيث يؤدي استغلال سياسة الغمز السورية والمهادنة الحزبلاوية إلى نجاح الحوار حول المعتقلين السوريين والفلول – كما يظهر في الاتفاق الأخير حول نقل السجناء – مما يدفع نحو انخفاض العداء، مما سينعكس إيجاباً على الداخل اللبناني ويصبح حزب الله جزءاً من حوار لبناني داخلي لتفكيك سلاحه، بينما تعيد سورية بناء نفسها كدولة مستقرة.
على أن العداء بين حزب الله وسورية الجديدة ليس بمصلحة الطرفين، فلا سورية لديها رفاهية تحرش حزب الله واللعب بما يملكه من أوراق ضدها، ولا حزب الله يقوى على مجابهة غضب دمشق، ليبقى البحث عن مخرج يبعد شبح العداء، فكما أن سورية جربت دعم حزب الله زمن الأسديين وكان خيارا مرهقا على الشعب السوري، فإن خيار العداء مرهق أيضا، ولعل البقاء بحالة الحذر هو السيناريو الأرجح والأفضل بالمرحلة الراهنة.