تنظيم حركة الشحن في سورية: دراسة تحليلية لقرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك

المقدمة، دراسة القرار:

أصدرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قراراً بتاريخ 6 فبراير 2026، يهدف إلى تنظيم حركة الشحن والنقل عبر المنافذ البرية الحدودية والمرافئ البحرية.

ينص القرار على بنود رئيسية تشمل:

  • عدم السماح بدخول الشاحنات التجارية إلى المنافذ البرية والبحرية للتحميل أو التفريغ إلا بعد حصولها على إيصال أصولي صادر عن مكتب نقل البضائع التابع لوزارة النقل.
  • منع دخول الشاحنات غير السورية إلى الأراضي السورية (باستثناء حالات الترانزيت التي ترفقها الضابطة الجمركية بين المنافذ).
  • نقل البضائع بين الشاحنات الأجنبية والسورية داخل ساحات الجمارك فقط (نظام "باك تو باك" أو "الطابون") وفق الأصول المعتمدة.
  • التأكيد على مجانية جميع المعاملات باستثناء الرسوم الرسمية، مع توفير رابط إلكتروني لتقديم الشكاوى لمكافحة الرشوة والفساد.

ويهدف القرار إلى تعزيز السيطرة الأمنية والجمركية، ومكافحة التهريب والفساد المزمن، ودعم القطاع النقلي الوطني في مرحلة انتقالية حساسة تتطلب إعادة هيكلة الجهاز الإداري والاقتصادي.

ومع ذلك، أثار القرار ردود فعل متباينة، خاصة من الدول المجاورة مثل الأردن، حيث وُصف بـ"المفاجئ" وأدى إلى تكدس شاحنات وإرباك حركة التجارة عبر معبر جابر–نصيب.

النظريات الاقتصادية المتعلقة بالقرار:
يمكن تفسير القرار من خلال عدة نظريات اقتصادية رئيسية:

  • نظرية الحمائية الاقتصادية (Protectionism)، حيث يعكس القرار عناصر حمائية واضحة بحماية قطاع النقل السوري من المنافسة الأجنبية.
    ووفقاً لنظرية ديفيد ريكاردو في الميزة النسبية، قد تكون الحمائية مبررة مؤقتاً لدعم الصناعات الناشئة أو المتضررة من النزاع، كما في حالة سورية التي تعاني من تدمير بنيتها التحتية.
    ومع ذلك، تحذر النظرية من ارتفاع التكاليف وعدم الكفاءة إذا استمرت طويلاً.
  • نظرية تسهيل التجارة (Trade Facilitation Theory)، كما طورها اتفاق منظمة التجارة العالمية (WTO)، والتي تُركز على تقليل الحواجز غير الجمركية لتعزيز التدفق التجاري.
    ويعد هذا القرار حاجزاً غير جمركي (NTB) بسبب المناقلة الإلزامية، مما قد يبطئ التجارة الإقليمية.
    كما وتشير بعض الدراسات إلى أن تقليل وقت الانتظار في المنافذ يزيد النمو الاقتصادي بنسبة تصل إلى 1% لكل يوم تقليل.
  • اقتصاديات التنظيم (Regulatory Economics)، والذي يستند إلى نموذج تصحيح فشل السوق (مثل التهريب والفساد)، كما في نظرية جورج ستيغلر. حيث يسعى التنظيم إلى ضبط السوق لصالح الدولة، لكن يجب توازنه مع تكاليف الامتثال لتجنب إعاقة النشاط الاقتصادي.


تبرز هذه النظريات التوتر بين الحماية المحلية والتكامل الإقليمي، خاصة في اقتصاد انتقالي يعتمد على التجارة الخارجية لإعادة الإعمار. التحديات الرئيسية:
يواجه القرار تحديات متعددة:

  • ضعف قدرة ساحات الجمارك على استيعاب عمليات المناقلة، مما يؤدي إلى تكدس الشاحنات وتأخير التسليم، كما حدث في معبر جابر–نصيب.
  • ارتفاع التكاليف اللوجستية (المناقلة، التأمين، التخزين)، والتي قد تنعكس على أسعار السلع في سوق يعاني من تضخم.
  • التوترات الإقليمية، فالقرار وُصف بـ"المفاجئ" من قبل الأردن، مما أدى إلى توقف جزئي وتكدس شاحنات أردنية وخليجية، مع مطالب بسرعة التواصل والتنسيق.
  • نقص القدرة التشغيلية للشاحنات السورية، التي قد لا تكفي لتغطية الطلب المتزايد.
  • غياب بيانات كمية دقيقة عن التأثير الفوري، رغم أن حجم التبادل التجاري الأردني–السوري بلغ حوالي 214 مليون دولار في 2025 (مع ارتفاع الصادرات الأردنية بنسبة كبيرة).

الإيجابيات والسلبيات:
تبرز الايجابيات بما يأتي:

  • دعم القطاع النقلي الوطني وزيادة الطلب على الشاحنات السورية، مما يعزز التوظيف والإيرادات المحلية.
  • تعزيز السيطرة على التهريب والفساد عبر التنظيم المركزي وآليات الشكاوى.
  • تحسين الأمن الحدودي (باستثناء الترانزيت المرافق).
  • بناء اقتصاد أكثر استقلالية وسيادة في مرحلة انتقالية.

وأما سلبيات القرار فتتمثل بـ:

  • زيادة التكاليف اللوجستية التي قد ترفع أسعار الواردات وتؤثر على القدرة الشرائية.
  • إبطاء التدفق التجاري، مما يعيق إعادة الإعمار في اقتصاد يعتمد على الواردات.
  • تهديد العلاقات الإقليمية، خاصة مع الأردن الذي يعتمد على معبر نصيب للصادرات (التي ارتفعت بشكل كبير في 2025).
  • عدم كفاءة محتملة إذا لم يُدعم بتحسينات بنيوية، مما يعكس مخاطر الحمائية المفرطة.

توصيات تيار المستقبل السوري لمعالجة التحديات:
لضمان نجاح القرار وتقليل آثاره السلبية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

  • تنفيذ فترة انتقالية مدتها 3-6 أشهر لتكييف القطاع، مع تدريب العاملين وتحسين ساحات الجمارك.
  • تشكيل لجان تنسيق ثنائية عاجلة مع الدول المجاورة (خاصة الأردن) لضمان تدفق سلس، كما طُلب من الجانب الأردني.
  • استثمار في البنية التحتية اللوجستية، مثل توسيع الساحات وتطبيق تقنيات رقمية للإجراءات الجمركية.
  • إجراء دراسات تأثير اقتصادي دورية (كل 3 أشهر) لتعديل القرار بناءً على بيانات حقيقية، مع دعم الشاحنات السورية بقروض ميسرة وتدريب.
  • النظر في استثناءات مؤقتة للسلع الحساسة أو الطوارئ لتجنب التكدس والتلف.

ونؤكد هنا أن هذه التوصيات تضمن توازناً بين التنظيم والنمو الاقتصادي، وندعو الخبراء السوريين لتقديم رؤيتهم حول ذلك .

الخاتمة:

يمثل قرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك خطوة جريئة نحو تنظيم القطاع النقلي في سورية، مستنداً إلى مبادئ الحمائية والتنظيم الاقتصادي لتعزيز السيادة والكفاءة.
ومع ذلك، يتطلب نجاحه مواجهة التحديات اللوجستية والإقليمية من خلال توصيات عملية، مثل الفترات الانتقالية والتنسيق الثنائي.
وفي سياق إعادة بناء الدولة، يُعد هذا القرار نموذجاً للسياسات الاقتصادية الانتقالية، شريطة دعمه بدراسات ميدانية مستمرة وتحديثات بناءً على التأثيرات الفعلية. يُقترح إجراء بحوث مستقبلية لتقييم التأثيرات طويلة الأمد، مما يساهم في صياغة سياسات أكثر شمولاً واستدامة في المرحلة السورية الجديدة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

نتائج مكافحة المخدرات بسورية في النصف الثاني من عام 2025

نتائج مكافحة المخدرات بسورية تكشف عن نجاحات مزدوجة في مواجهة آفة المخدرات من يوليو إلى ديسمبر 2025.

8 فبراير 2026

إدارة الموقع

رفض رابطة الصحفيين السوريين لمدونة السلوك المهني والأخلاقي الصادرة عن وزارة الإعلام

رفض رابطة الصحفيين السوريين لمدونة السلوك المهني التي أعدتها وزارة الإعلام.

8 فبراير 2026

إدارة الموقع