تشهد سورية في الربع الأول من عام 2026 مرحلة انتقالية حاسمة تتسم بتسارع وتيرة التفاهمات السياسية والأمنية بين الحكومة المركزية في دمشق، برئاسة أحمد الشرع، وبين مختلف الفاعلين المحليين في المناطق الطرفية.
يعكس هذا التطور مزيجاً من الضغوط الميدانية، والتفاوض البراغماتي، والوساطة الدولية النشطة (لا سيما الأمريكية)، في سياق سعي عام نحو استعادة السيطرة المركزية على الجغرافيا السورية مع الحفاظ على استقرار نسبي.
ملف السويداء – نموذج التسوية المحلية عبر الوساطة الإنسانية والدولية:
شهدت محافظة السويداء، في 26 فبراير 2026، تنفيذ أول عملية تبادل واسعة للمحتجزين بين الحكومة السورية وفصائل "الحرس الوطني" التابعة للشيخ حكمت الهجري، حيث تم الإفراج عن 61 شخصاً من أبناء السويداء، مقابل 25 عنصراً من قوات الأمن والدفاع كانوا محتجزين لدى الفصائل المحلية.
وقد أشرفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على العملية، فيما لعبت الوساطة الأمريكية دوراً محورياً في التوصل إلى الاتفاق.
ومن منظور تحليلي، يندرج هذا التبادل ضمن إطار التسويات الوظيفية المحدودة (functional limited settlements)، حيث يتم فصل الملف الإنساني عن القضايا السياسية-العسكرية الأعمق، مما يولد دينامية ثقة تدريجية ويقلل من مخاطر التصعيد المباشر.
غير أن الاحتفاظ الفصائلي بسيطرة ميدانية فعلية في أجزاء من المحافظة يشير إلى أن الاندماج الكامل يظل هدفاً بعيد المنال في المدى القريب، وأن أي تقدم مستقبلي يتوقف على تقديم ضمانات سياسية وخدمية ملموسة للمكون الدرزي.
شمال شرق سورية – مرحلة تنفيذ اتفاق الاندماج وتحديات التطبيق التدريجي:
وقّع اتفاق 29-30 يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إطاراً شاملاً يشمل وقف إطلاق نار دائماً، وتسليم إداري وعسكري لمحافظتي الرقة ودير الزور، ودمج عناصر قسد بشكل فردي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بعد تدقيق أمني، وتفعيل مؤسسات الدولة في الحسكة، وضمان حقوق ثقافية ولغوية كردية محددة (بما في ذلك مرسوم رئاسي بهذا الشأن).
كما تضمن الاتفاق تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وإدارة ملفات السجون والمخيمات المتعلقة بتنظيم داعش.
بدأت في فبراير 2026، عملية تنفيذ عسكري هادئة تشمل سحب السلاح الثقيل والمتوسط من مناطق حضرية معينة (كالحسكة) بحسب معلومات غير معلنة، وتسليم بعض المواقع والخرائط المتعلقة بالأنفاق ومخازن الأسلحة، مع زيارات ميدانية مشتركة لوفود عسكرية.
هذا وقد كلف الرئيس الشرع العميد زياد العايش مبعوثاً رئاسياً للإشراف على التنفيذ. غير أن التقارير تشير إلى استمرار خلافات حول تفاصيل تسليم السلاح الثقيل الكامل، ومعابر مثل سيمالكا، وآليات تشكيل "فرقة الحسكة"، مما يجعل العملية تدريجية ومحفوفة بمخاطر التوتر إذا لم تُدار بحساسية سياسية عالية.
الدور الأمريكي ومسار باريس:
لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً كوسيط في كل من ملف السويداء وشمال شرق سورية، بالإضافة إلى رعايتها لمفاوضات باريس (يناير 2026) بين سورية وإسرائيل.
أفضت هذه المفاوضات إلى إنشاء "آلية تنسيق مشتركة" (joint communication cell) لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، واستكشاف فرص اقتصادية، مع التركيز على إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك 1974 بما يحترم السيادة السورية وأمن إسرائيل.
ومن منظور واقعي دولي، يمثل هذا الدور محاولة أمريكية لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية: تثبيت سورية موحدة كعامل استقرار يساهم في مواجهة بقايا داعش، وتقليص النفوذ الإيراني السابق، وتخفيف التوترات الحدودية.
كما يوفر المسار ضمانة خارجية مؤقتة لعملية الاندماج الداخلي، لكنه يبقى مشروطاً بتطورات السياسة الأمريكية الداخلية والإقليمية.
استنتاجات وآفاق مستقبلية – بين الفرص والمخاطر:
يبدو الاتجاه العام نحو إعادة ترسيخ السيادة المركزية هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، مدعوماً بتفاهمات مرحلية ودعم دولي.
غير أننا نرى في تيار المستقبل السوري أن نجاح هذا المسار يعتمد على عوامل جوهرية:
- تقديم مكاسب اقتصادية وخدمية وتمثيل سياسي حقيقي للمكونات المعنية (الكردية والدرزية بشكل أساسي) لتجنب شعور بالتهميش.
- إدارة دقيقة للخلافات التفصيلية في مرحلة التنفيذ، خاصة في شمال شرق سورية.
- استمرار الرعاية الدولية (الأمريكية بشكل رئيسي) كعامل استقرار، مع الوعي بأن تغيرات في الأولويات الخارجية قد تؤثر على الدينامية.
وفي النهاية، يتطلب الانتقال السوري توازناً دقيقاً بين القوة والذكاء الاستراتيجي من جميع الأطراف.
ونجاح هذه المرحلة يعتمد على تحويل التسويات المؤقتة إلى إطار سياسي شامل يحترم التنوع السوري دون المساس بوحدة الدولة الجغرافية والمؤسسية، مع الحذر من مخاطر الانزلاق إلى توترات جديدة إذا تأخرت المكاسب الملموسة أو اختلت معادلة الثقة.