استغلال الأطفال في صناعة المحتوى الرقمي في سورية

المقدمة:

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في عصر الرقمنة المتسارع إلى أدوات قوية للتواصل والربح المالي، لكنها أيضاً أصبحت منصات لاستغلال الأطفال بشكل متزايد. وفي سورية، التي لا تزال تعاني من تداعيات النزاع المستمر منذ مارس 2011، أصبحت ظاهرة استخدام الأطفال في إنتاج المحتوى الرقمي، خاصة من خلال البثوث المباشرة للتسول عبر تطبيق تيك توك، أمراً مقلقاً ومنتشراً. حيث يُجبر الأطفال في مخيمات النزوح واللجوء على الظهور لساعات طويلة أمام الكاميرات، يطلبون هدايا رقمية تُحول إلى أموال، بينما يحصل المشغلون أو الوسطاء على الجزء الأكبر من الإيرادات، مما يشكل شكلاً من أشكال الاتجار بالأطفال.

ووفقاً لتقارير منظمة اليونيسف، يحتاج أكثر من 7.5 مليون طفل سوري إلى مساعدة إنسانية في عام 2025، مع حوالي 2.4 إلى 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، مما يزيد من عرضهم لمثل هذا الاستغلال.

يُعتبر الطفل من منظور إسلامي أمانة إلهية يجب حمايتها، مستنداً إلى مقاصد الشريعة الإسلامية التي تشمل حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين.
ويحذر القرآن الكريم من قتل الأطفال خوفاً من الإملاق، كما في قوله تعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرا" (سورة الإسراء: 31).
ويؤكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الرحمة بالأطفال، قائلاً: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم". كما ينص الحديث: "كفى بالمرء إثماً أن يُضيع من يقوت"، مما يحرم أي شكل من أشكال الاستغلال الذي يعرض الطفل للأذى النفسي أو الجسدي.

في هذا المقال سنهدف إلى تحليل الظاهرة بشكل معمق، بالاستناد إلى إحصائيات حديثة حتى عام 2026، ونظريات علمية معاصرة، وتجارب دولية، وقوانين سورية ودولية، مع التركيز على المقاصد الإسلامية، واقتراح قانون يمنع هذا الاستغلال.
وسيتم نشره في قسم البحوث والدراسات بمكتب شؤون الأسرة في تيار المستقبل السوري، لتعزيز الوعي والدعوة للتغيير التشريعي، مع النظر في التحديات الراهنة مثل النزوح المستمر والحاجة إلى دعم دولي.

الخلفية والإحصائيات عن الظاهرة في سورية:

بدأ النزاع السوري بين الشعب الذي ثار على جلاده، ونظام طاغية مجرم في مارس 2011، مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 30,000 طفل بحلول عام 2024، مع تجنيد آلاف آخرين في الجماعات المسلحة.
ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2025 الذي يغطي الفترة من أكتوبر 2022 إلى ديسمبر 2024، تم التحقق من 3,343 انتهاك جسيم ضد 3,209 أطفال في سورية، مع التركيز على التجنيد والقتل والتشويه.

عالمياً، ارتفعت الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في النزاعات بنسبة 25% في 2024، مسجلة 41,370 انتهاكاً ضد أكثر من 22,000 طفل، وهو أعلى رقم في عقدين، مع استمرار الأنماط المقلقة في 2025 دون ارتفاع محدد موثق بعد.

وفي السياق الرقمي، أصبحت ظاهرة "التسول المباشر" عبر تيك توك الأبرز في سورية، خاصة في مخيمات النزوح شمال غرب البلاد. حيث يقوم الأطفال ببث مباشر لساعات طويلة، يطلبون هدايا رقمية (مثل "الأسود" أو "الورد") التي تحول إلى أموال، لكن تيك توك تأخذ حتى 70% كرسوم، ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية شاملة، تستمر التقارير الإعلامية في توثيق الظاهرة حتى 2025، حيث كشف تحقيق لجريدة الغارديان في أبريل 2025 انتشار هذه الممارسة في مخيمات سورية، مع مخاوف من الاستغلال الجنسي أو الإكراه، حيث يُجبر الأطفال على أداء حركات أو طلبات لجذب المشاهدين.

كما أن تقارير من 2024-2025 تشير إلى أن هذه البثوث تولد حتى 1,000 دولار في الساعة، لكن العائلات تتلقى أقل من 20%.
وفي عام 2025، أفادت اليونيسف أن 16.7 مليون شخص في سورية بحاجة إلى دعم إنساني، بما في ذلك 7.5 مليون طفل، و2 مليون طفل معرضون لسوء التغذية، بالإضافة إلى حوالي 2.4 إلى 2.45 مليون طفل خارج المدرسة.

كما سجلت 813 حوادث انفجار في 2025، أدت إلى مقتل 156 طفلاً وإصابة 383 آخرين. تجعل هذه الظروف الاقتصادية والأمنية الأطفالَ أكثر عرضة للاستغلال الرقمي، حيث يُستخدمون في محتوى يروج لمعايير غير واقعية أو حتى محتوى يقترب من الاستغلال الجنسي، مع تعرض الفتيات للعنف الرقمي ثلاث مرات أكثر من الصبيان.
كما أن النزوح المستمر، كما في الاشتباكات الجديدة في شمال شرق سورية في أوائل 2026، يفاقم الوضع بإزاحة حوالي 200,000 شخص، نصفهم أطفال.

التأثيرات النفسية والاجتماعية على الأطفال:

تشير النظريات النفسية، مثل نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفل، إلى أن الأطفال يتأثرون بالمقارنات الاجتماعية على وسائل التواصل، مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب.
وقد نشرت دراسة في 2023 في مجلة "Journal of Child Psychology" تؤكد أن الشهرة الرقمية المبكرة تزيد من خطر الاضطرابات النفسية بنسبة 40%، خاصة مع فقدان الخصوصية والتعرض للتعليقات السلبية.
يعاني الأطفال في سورية، المشاركون في بثوث التسول من إرهاق جسدي ونفسي، حيث يقضون ساعات دون راحة، مما يؤثر على نموهم العاطفي ويؤدي إلى شعور بالعار أو التبعية، بالإضافة إلى مخاطر التعرض لمحتوى غير مناسب أو استغلال جنسي عبر الإنترنت.
اجتماعياً، يعزز هذا الاستغلال التمييز الجنسي، حيث تتعرض الفتيات لمخاطر أعلى، كما في تقرير يونيسف الذي يشير إلى أن 80% من الأطفال في 25 دولة يشعرون بالخطر من الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت. كما يؤدي إلى تفكك الأسر، حيث يصبح الطفل مصدر دخل رئيسي، مما يعيق تعليمه ويجعله عرضة للعنف الأسري أو الخارجي، ويزيد من مخاطر الابتعاد عن البيئة التعليمية التقليدية.

القوانين السورية والدولية:

أصدرت سورية قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021، الذي يحظر استخدام الأطفال في الإعلانات أو المحتوى الذي ينتهك خصوصيتهم (المادة 31)، ويمنع العنف والاستغلال الاقتصادي (المادة 51). كما ينص على حماية الأطفال من الاستغلال الجنسي.
ومع ذلك، يفتقر إلى آليات محددة للاستغلال الرقمي، خاصة في ظل تعدد السيطرة الإقليمية وضعف المؤسسات. وفي 2023، أصدر مرسوم تشريعي رقم 2 ينظم رعاية الأطفال مجهولي النسب، لكنه لا يغطي الاستغلال الرقمي. هذا وسورية مصادقة على اتفاقية حقوق الطفل منذ 1993.

هذا، وتحمي اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 الأطفال من الاستغلال (المادة 34)، وتطالب بمنع الانتهاكات الرقمية. كما تجرم اتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة الإلكترونية لعام 2024 الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت. كما أن اتفاقية لانزاروتي (2007) تجرم التواصل الجنسي مع الأطفال عبر التكنولوجيا.

التجارب الدولية في تنظيم محتوى الأطفال:

أصدرت فرنسا قانوناً في أكتوبر 2020 يحد من ساعات عمل الأطفال تحت 16 عاماً عبر الإنترنت، ويحمي دخلهم مع حق النسيان لصورهم عندما يكبرون.
وفي إلينوي الأمريكية (2024)، يطالب القانون بصناديق ائتمانية لأرباح الأطفال المؤثرين. وأستراليا حظرت في نوفمبر 2024 استخدام وسائل التواصل للأطفال تحت 16.
وأما في المنطقة العربية، أصدرت مصر في 2026 إرشادات تحظر تعريض الأطفال للتنمر أو الابتزاز أو الاستغلال عبر الإنترنت، وتحظر التواصل الرقمي مع الأطفال خارج القنوات الرسمية، مع عقوبات رادعة للمنصات التي تخالف، كما في حظر لعبة Roblox في فبراير 2026 بسبب محتواها الضار.

صعوبات التنفيذ في الواقع السوري:

رغم أهمية التشريعات، يواجه التنفيذ في سورية تحديات كبيرة بسبب تعدد السيطرة، وضعف المؤسسات، والانتشار الواسع للمنصات الرقمية دون رقابة. كما أن الفقر المدقع في المخيمات يجعل العائلات تستمر في هذه الممارسات رغم المخاطر. ولهذا يتطلب الأمر تعاوناً دولياً مع اليونيسف ومنصات مثل تيك توك لتطبيق فلاتر ومراقبة آلية، بالإضافة إلى برامج توعية ودعم اقتصادي للأسر، مع التركيز على إعادة دمج الأطفال في التعليم كما في حملة "العودة إلى التعلم" لعام 2025 التي ساعدت ملايين الأطفال.

الرؤية الإسلامية لحماية الطفل:

يُحرم استغلال الطفل، استناداً إلى مقاصد الشريعة. فالقرآن يأمر بحفظ الأيتام، كما في قوله تعالى: "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" (سورة النساء: 9)، والفقهاء يؤكدون على الحضانة والرعاية.
كما أن اتفاقية حقوق الطفل في الإسلام (2005) تحمي من الاستغلال الاقتصادي والجنسي. وعليه، يجب أن يركز التشريع على حفظ النفس من خلال منع الأذى النفسي، وحفظ العقل عبر ضمان التعليم، وحفظ النسل بمنع التمييز الجنسي، مع الاستلهام من الأحاديث النبوية التي تؤكد الرحمة والعدل تجاه الأطفال.

خاتمة:

في مرحلة التعافي السوري، يجب إصدار تشريع يحمي الأطفال من الاستغلال الرقمي، مستلهماً المقاصد الدينية والتجارب الدولية. ونرى أن هذا ليس واجباً قانونياً فحسب، بل أخلاقياً لضمان مستقبل أجيالنا، مع التركيز على الدعم الاقتصادي والتوعية للحد من الظاهرة جذرياً، خاصة مع التحديات المستمرة في 2026.

وختاما، نقترح في مكتب شؤون الأسرة لـ تيار المستقبل السوري قانون "حماية الطفل من الاستغلال الرقمي"، حيث يشمل:

  • المادة 1: تعريف الاستغلال الرقمي كأي استخدام للطفل في محتوى يهدف إلى الربح دون موافقته، بما في ذلك التسول المباشر.
  • المادة 2: حظر استخدام الأطفال تحت 16 في المحتوى التجاري الرقمي، مع عقوبات تصل إلى 10 سنوات سجن للوسطاء.
  • المادة 3: إلزام بصناديق ائتمانية بنسبة 70% من الأرباح، مع حق النسيان الرقمي.
  • المادة 4: تشكيل لجنة رقابية مشتركة مع اليونيسف ومنصات التواصل.
  • المادة 5: ربط بالقوانين الدولية ومبادئ الشريعة، مع برامج توعية أسرية.
  • المادة 6: آليات تنفيذ في مناطق النزاع، بتعاون دولي، بما في ذلك برامج إعادة التأهيل النفسي للأطفال المستغلين. قائمة

المراجع:

  1. BBC News. (2022, October 11). How TikTok profits from Syrian children begging. BBC News. https://www.bbc.co.uk/news/technology-63212345 (تم الاستمرار في تغطية الظاهرة حتى 2025 كما في تقارير متابعة).
  2. Das, S. (2025, April 6). ‘Profiting from misery’: How TikTok makes money from child begging livestreams. The Guardian. https://www.theguardian.com/technology/2025/apr/06/profiting-from-misery-how-tiktok-makes-money-from-child-begging-livestreams
  3. Office of the Special Representative of the Secretary-General for Children and Armed Conflict. (2025, November 26). *Children and Armed Conflict in the Syrian Arab Republic: Report of the Secretary-General. United Nations. https://childrenandarmedconflict.un.org/document/children-and-armed-conflict-in-the-syrian-arab-republic-report-of-the-secretary-general
  4. United Nations. (2025). Children and armed conflict: Annual report of the Secretary-General (A/79/842-S/2025/…). United Nations General Assembly and Security Council. (يشمل بيانات الانتهاكات العالمية 2024 وتفاصيل سورية).
  5. UNICEF Syrian Arab Republic. (2025, October 6). Delivering impactful results for every child and young person in Syria 2025-2026. UNICEF. https://www.unicef.org/syria/reports/delivering-impactful-results-every-child-and-young-person-syria-2025-2026
  6. UNICEF Syrian Arab Republic. (2026, January 28). Syria Humanitarian Situation Report 2025. UNICEF. https://www.unicef.org/syria/media/22626/file/Syria-Humanitarian-situation-report-2025.pdf
  7. UNICEF Syrian Arab Republic. (n.d.). The situation of children in Syria*. UNICEF. Retrieved February 9, 2026, from https://www.unicef.org/syria/situation-children-syria (يشمل إحصائيات 2025: 7.5 مليون طفل بحاجة، 2.45 مليون خارج المدرسة).
  8. UNICEF. (2025). Humanitarian Action for Children 2026 – Syrian Arab Republic. ReliefWeb/UNICEF. https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/humanitarian-action-children-2026-syrian-arab-republic

شاركها على:

اقرأ أيضا

دعوة وزارة الطاقة المفصولين لاستكمال إجراءات العودة إلى العمل

تيار المستقبل السوري يرحب بدعوة وزارة الطاقة للمفصولين لاستئناف العمل. خطوة هامة نحو العدالة والإنصاف.

10 فبراير 2026

إدارة الموقع

نداء الشبكة السورية لحقوق الإنسان لدعم المخيمات المتضررة من السيول

تداعيات السيول على المخيمات في شمال سورية تدفع الشبكة السورية لحقوق الإنسان لإطلاق نداء عاجل لدعم المتضررين.

10 فبراير 2026

إدارة الموقع