مقدمة – إشكالية الثقة في لحظة التأسيس:
يبرز سؤال فلسفي سياسي عميق في خضم التحولات الكبرى التي تعيشها الدول الخارجة من نزاعات مطولة، كسورية اليوم: هل تعيين المسؤولين لأقاربهم وأبناء ثقتهم يشكل "حقاً" مشروعاً لهم، أم أنه "ضرورة" مرحلية تفرضها طبيعة اللحظة الاستثنائية، أم هو "فساد" مبطن يجب استئصاله منذ البداية؟
ولعل الإجابة، في الفلسفة السياسية، لا تحتمل التبسيط الأيديولوجي، بل تقع في منطقة رمادية تتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفهوم "الثقة" ذاتها، وعلاقتها بـ"السلطة"، وهنا نتكلم عما بعد انهيار المؤسسات وغياب الدولة.
أولاً، الرؤية الواقعية:
منذ القرن السادس عشر، طرح المفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلي في كتابه الخالد "الأمير" رؤية واقعية للسلطة تقوم على أن الحاكم الجديد، خاصة من يصل إلى الحكم بعد اضطراب أو فراغ، يضطر في مرحلة التأسيس إلى الإحاطة بمن يثق في ولائهم unconditionally، لأن بقاء المشروع السياسي ذاته يسبق أي اعتبار آخر.
وهذا لا يعني أن مكيافيلي يدعو إلى المحسوبية كقيمة، بل يرى أن الضرورة السياسية في غياب الاستقرار، تفضي لأن يصبح "الأمن" و"الولاء" مقدّمين على "الكفاءة المجردة". فالثقة هنا هي "وقود المرحلة الانتقالية" الذي يسمح باتخاذ قرارات سريعة وحساسة دون خشية الخيانة أو الاختراق.
ويفسر الباحث حمدي عبد الرحمن، في دراسته عن النظم السياسية، هذه الظاهرة في سياق الدول الخارجة من النزاعات، مشيراً إلى أن انهيار الثقة العامة يدفع النخب الجديدة إلى الاعتماد على "شبكات الثقة الأولية" (العائلة، والأصدقاء المقربون، والموالون الأيديولجيون) كآلية دفاعية طبيعية لضمان تماسك السلطة الناشئة .
ثانياً، الميراثية:
يأتي التحذير الفلسفي الأهم هنا، والذي يقدمه المفكر الألماني ماكس فيبر في مؤلفه الضخم "الاقتصاد والمجتمع"، حيث يحذر "فيبر" مما سماه "السلطة التقليدية" أو "الميراثية" (Patrimonialism)، بحيث يبدأ الحاكم في التعامل مع الدولة ومؤسساتها كما لو كانت "ملكاً خاصاً" له، وتصبح الوظائف العامة مجرد "امتيازات" يوزعها على المقربين بناءً على الولاء الشخصي وليس الكفاءة.
ويرى "فيبر" أن الانتقال من "السلطة التقليدية" إلى "السلطة القانونية العقلانية" هو جوهر بناء الدولة الحديثة.
فالدولة الحقيقية تقوم على "قواعد مجردة" و"كفاءة محايدة"، وليس على "علاقات شخصية" و "ولاءات عائلية". وييقى الخطر الأكبر في المراحل الانتقالية هو أن تتحول "ضرورة الثقة المؤقتة" إلى "ثقافة ميراثية دائمة" تعيد إنتاج الاستبداد تحت شعارات جديدة.
ثالثاً، النموذج التاريخي:
يُقدم التاريخ الإسلامي نموذجاً مُبكراً فريداً في التعامل مع هذه المعضلة.
فالخليفة الإسلامي الثاني عمر بن الخطاب، وكما يروي المؤرخون، كان شديد الحساسية تجاه أي شبهة محاباة.
ولم يكتفِ بعدم تعيين أقاربه، بل كان يمنعهم من تولي المناصب الحساسة حتى لا يقال إن "بيت المال صار امتداداً لبيت الخليفة".
ويروي عمر بن الخطاب في هذا السياق هذا الأثر: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".
وتتجاوز فلسفة عمر هنا مسألة "الكفاءة" إلى مسألة "الصورة" و"الثقة العامة". فالعدالة يجب أن تُرى لا أن تُمارس ظاهراً فقط!.
وعلى الناس أن يشعروا أن الدولة ليست دائرة خاصة بأحد، وهذا هو جوهر "الشرعية" السياسية التي تسبق أي اعتبار آخر.
رابعاً، الحالة السورية:
في السياق السوري المعاصر، لابد من تحليل الخطر الكامن من خلط القرابة بالسلطة في المرحلة الانتقالية حسب السياق والسباق التاريخي.
فلو كنا في دولة مؤسسات حقيقية قائمة بالفعل، لكان تعيين ذي السلطة لأحد أقاربه من الدرجة الأولى خاضعاً لرقابة برلمانية، وتحت تدقيق إعلامي، ونحوه.
أما في حال دولتنا التي خرجت منهكة بعد ثورة وحرب ولم تكتمل فيها أدوات الرقابة بعد، ولا بناء مؤسساتها، ناهيكم عن تفعيل دورها كما حال مجلس الشعب المُفرَّز، فإن القرابة هنا ستتحول من تفصيل عابر إلى نواة بناء نظام جديد سيأخذ حيزه في جسد الدولة الوليدة.
وهنا تصبح المشكلة في أن تتحول الدولة لامتداد عائلي، تصبح الوظيفة العامة مساحة مغلقة لا يدخلها إلا الثقات ضمن دوائر القرابة ومن يلوذ بها ويدور في فلكها.
هنا يبدأ الانزلاق الهادئ نحو حكم شبكي عنكبوتي يقوم على الولاء المطلق، وتصبح الكفاءة فيه تفصيلاً ثانوياً.
ويحسن لفت الانتباه مرة أخرى إلى نقطة جوهرية مفادها أن المشكلة ليست في النص القانوني (الذي قد لا يمنع تعيين الأقارب)، بل في "السياق" و"الثقافة السياسية" و"غياب أدوات الرقابة".
ففي أوروبا، قد يستقيل وزير بسبب توظيف قريب في وظيفة هامشية، لأن المعيار ليس "هل ذاك مسموح قانونياً!"، بل "هل يخدم الثقة العامة" أم لا.
خامساً، معادلة التوازن:
من هذا كله، يمكن استخلاص رؤية سياسية متوازنة للتعامل مع إشكالية التعيين في المراحل الانتقالية:
- الاعتراف بخصوصية المرحلة، إذ المرحلة الانتقالية قد تتطلب بعض التعيينات بالثقة في مواقع سيادية محدودة (المكاتب الخاصة، الأمن المباشر)، كضرورة مرحلية لضمان تماسك السلطة.
ولكن، هذا "استثناءٌ مؤقت" وليس "حقاً دائماً مكتسباً". - الفصل بين "مواقع الثقة" و"مواقع الكفاءة"، فهناك فرق جوهري بين تعيين مدير مكتب الرئيس (موقع ثقة) وتعيين وزير صحة أو محافظ بنك مركزي (موقع كفاءة).
فالأولى قد تخضع لمنطق الثقة بضوابط، أما الثانية فيجب أن تخضع لمعايير الكفاءة وحدها منذ اللحظة الأولى. - التحديد الزمني الصارم، حيث يجب ويُفرض، ولازم، وضروريٌّ الإعلان صراحة أن تعيينات الثقة هي "حالة طوارئ إدارية" مؤقتة، مرتبطة بجدول زمني واضح، وبعدها تنتقل الدولة إلى آليات تنافسية مفتوحة.
- بناء مؤسسات تنتج الثقة، فبدلاً من أن تبقى الثقة محصورة في الأفراد (عائلة، أصدقاء)، يجب بناء مؤسسات (رقابة، قانون خدمة مدنية، مسابقات علنية)، تنتج الثقة العامة.
فالثقة الشخصية تهدم الدولة، والثقة المؤسساتية تبنيها وترسخ أركانها.
خلاصة:
إن المرحلة الانتقالية جسرٌ بين ماضٍ منهار ومستقبل مأمول.
ولا يمكن عبور هذا الجسر دون بعض "ألواح الثقة" المؤقتة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن نقرر بناء بيوتنا الدائمة على هذا الجسر.
إن تعيين الأقارب والثقات يمكن أن يكون مفهوماً في الشهور الأولى كآلية للتماسك في وجه الفوضى.
لكنه يصبح "خيانة للثورة" و"نواة استبداد جديد" إذا استمر بعد توفر الحد الأدنى من الاستقرار، وتحول إلى أداة لطرد الكفاءات وتوريث الدولة.
هذا، وإن الانتقال الديمقراطي الحقيقي يُقاس بقدرة النخبة الجديدة على تجاوز "منطق العائلة" إلى "منطق المواطنة"، والانتقال من "ولاء الجماعة" إلى "كفاءة الفرد"، فالدولة ليست غنيمة حرب، ولا امتداداً للبيت، ولا مكافأة للمقربين.
الدولة، كما علّمنا ابنُ الخطاب، أمانةٌ في أعناق الجميع، والعدالة أن يشعر الناس أن المؤسسات مفتوحة للجميع، لا أنها "مساحة مغلقة لا يدخلها إلا الأقربون".
إننا في تيار المستقبل السوري نرى سورية الجديدة، بعد كل تلكم التضحيات، أن شعبنا ووطننا لا يحتمل تجربة جديدة تبنى على حكم عصبة القرابة في مفاصل الدولة ومنظومة المؤسسات، مهما تغيّرت الأسماء وتعددت الأسباب، وزُيِّن لها الخطاب.