الملخص التنفيذي:
يشكل علم الإحصاء الركيزة الأساسية التي تقوم عليها عملية صنع القرار في الدول الحديثة. تبرز في سورية ما بعد التحرير التي تشهد تحولات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة؛ الحاجة الملحة إلى بناء منظومة إحصائية وطنية دقيقة وشاملة.
تتناول هذه الدراسة واقع العمل الإحصائي في سورية، والتحديات التي تواجه عملية جمع البيانات في مرحلة ما بعد النزاع، ويقترح آليات لتطوير البنية المؤسسية للإحصاء، مختتماً بتوصية بإنشاء وزارة أو مديرية مركزية متخصصة للإحصاء تتناسب مع ما يسمح به القانون السوري وتطلعات المرحلة الانتقالية.
المقدمة:
لا يمكن لأي عملية تخطيط تنموي أو إعادة إعمار أن تنجح من دون الاعتماد على بيانات دقيقة وموثوقة.
فالإحصاءات هي "الأداة الأساسية التي تسهم في فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأي بلد" . في سورية، بعد أكثر من عقد من النزاع المسلح، وسقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024 ، ثم التحرير الكامل، تواجه الدولة السورية الجديدة تحدياً وجودياً يتمثل في غياب قاعدة بيانات محدثة تعكس الواقع الحقيقي للسكان والموارد.
لقد تسبب النزوح الداخلي الواسع وعودة مئات الآلاف من اللاجئين في إحداث تغيير جذري في الخريطة السكانية.
ففي ذروة النزوح الأخير، نزح نحو 1.1 مليون شخص، وعاد أكثر من 555 ألف شخص إلى مجتمعاتهم الأصلية . تجعل هذه التحولات من التعداد السكاني الذي أجري عام 2004، والذي لا يزال المعتمد في كثير من الأحيان، وثيقة تاريخية لا تعكس الواقع الراهن. لذلك، تأتي هذه الدراسة لتشخيص أزمة الإحصاء في سورية، وتقديم رؤية علمية لتطوير هذا القطاع الحيوي.
أولا، الإطار النظري – الإحصاء التطبيقي في سياقات ما بعد النزاع:
يُعرف الإحصاء التطبيقي بأنه العلم الذي يهتم بجمع البيانات وتصنيفها وتحليلها واستخلاص النتائج منها لدعم عملية اتخاذ القرار. في سياقات ما بعد النزاع، تكتسب هذه العملية خصوصية استثنائية، إذ يتطلب الأمر:
- التعامل مع بيانات مشوهة أو مفقودة نتيجة انهيار المؤسسات وتوقف العمل الميداني المنتظم.
- تقدير السكان المتحركين حيث تكون معدلات النزوح والعودة مرتفعة وتتغير باستمرار.
- تجاوز تحديات الوصول إذ قد تكون بعض المناطق غير آمنة أو يصعب الوصول إليها.
تشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى ما يُعرف بـ "نقطة الصفر" الإحصائية، أي إعادة ضبط قاعدة البيانات الوطنية بالكامل.
وقد أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء في سورية حديثاً تبني هذا المفهوم، معتبرة أن بيانات عام 2025 ستمثل هذه النقطة المرجعية الجديدة.
ثانياً، تشخيص واقع العمل الإحصائي في سورية بعد التحرير:
- انهيار البنية التحتية للإحصاء:
لقد أدى النزاع الممتد إلى "تضرر مؤسسات الإحصاء الرسمية، مع نقص في الكوادر المؤهلة وهجرة الخبرات" . هذا الانهيار له تداعيات خطيرة على قدرة الدولة الجديدة على جمع البيانات.
فالمكتب المركزي للإحصاء، الذي كان يعمل بشكل مركزي قبل عام 2011، فقد قدرته على الوصول إلى جميع الجغرافيا السورية، وتقاسمت مهمة جمع البيانات جهات متعددة (منظمات مجتمع مدني، فرق محلية، منظمات دولية) وكثيراً ما كانت هذه البيانات متضاربة. - أزمة البيانات السكانية:
يمثل غياب تعداد سكاني دقيق وشامل أكبر عقبة أمام التخطيط.
فقد توقف التعداد السكاني العام منذ عام 2004، رغم أن سورية شهدت "أكبر نزوح داخلي وخارجي في تاريخها الحديث". والتقديرات الحالية متضاربة وغير دقيقة، مما يجعل تحديد احتياجات المواطنين من الخدمات الأساسية (الصحة، التعليم، السكن) أمراً شبه مستحيل.
ففي قطاع التعليم مثلاً، هناك أطفال في الخامسة عشرة من العمر لا يستطيعون القراءة أو الكتابة لأن المدارس في مناطقهم دمرت، ولا يمكن حصر هذه الفئات دون مسح ميداني دقيق. - الاقتصاد غير الرسمي وتحديات القياس:
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن "60-70% من النشاط الاقتصادي صار غير مُسجل" في سورية.
ويجعل انهيار النظام الضريبي وانتقال الكثير من الأنشطة إلى السوق السوداء؛ قياس الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة والفقر مهمة بالغة الصعوبة.
يؤكد الدكتور عبد الله العبيد أن هذا الواقع يجعل من غياب الإحصاءات "عائقاً رئيسياً أمام أي خطة للتعافي الاقتصادي". - التطورات المؤسسية الإيجابية:
في خطوة مهمة على طريق الإصلاح المؤسسي، صدر المرسوم رقم (18) لعام 2025 الذي قضى بتحويل "الهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي" إلى "هيئة التخطيط والإحصاء".
كما تم دمج المكتب المركزي للإحصاء ضمن هذه الهيئة، وفصل ملف التعاون الدولي عنها ليتولاه وزارة الخارجية والمغتربين.
ويمثل هذا الدمج خطوة استراتيجية نحو مركزية العمل الإحصائي وجعله أكثر ارتباطاً بعملية التخطيط.
ثالثاً، تطبيقات الإحصاء في قياس مؤشرات التنمية بسورية:
- التعداد السكاني السريع – ضرورة وطنية قصوى:
إن الأولوية الأولى هي إجراء تعداد سكاني سريع وشامل.
فهذا التعداد هو "أساس صناعة القرار الفعّال في أي اقتصاد، وخاصة الاقتصاد السوري بعد فترة طويلة من الحرب وعدم الاستقرار" . لهذا يجب أن يغطي هذا التعداد جميع المحافظات، وأن يُصمم بطريقة تسمح برصد حركات النزوح والعودة بدقة، وتقدير احتياجات كل منطقة على حدة.
وقد أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء عزمها تنفيذ "تعداد سكاني سريع" كجزء من خطتها للمرحلة المقبلة. - مسوح الفقر ومستوى المعيشة:
بدون بيانات دقيقة عن دخل الأسر ونفقاتها، لا يمكن تحديد خط الفقر بدقة، وبالتالي لا يمكن تصميم شبكات الأمان الاجتماعي أو برامج الدعم بشكل عادل.
فمن الضروري إجراء مسح شامل للإنفاق والأسرة بالتعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة.
حيث تشير التجارب الدولية إلى أن برامج الدعم النقدي المشروطة لا يمكن أن تنجح إلا إذا استندت إلى قاعدة بيانات دقيقة للأسر المستفيدة. - البطالة وسوق العمل:
تشير التقديرات إلى أن البطالة في سورية وصلت إلى مستويات قياسية، مع وجود ملايين الشباب خارج سوق العمل.
لهذا هناك حاجة ملحة إلى إجراء "مسح قوة العمل" بشكل دوري ومنتظم.
وهذا المسح يمكن أن يقدم صورة واضحة عن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويساعد في تصميم برامج التدريب المهني والتأهيل. كما يمكن أن يسهم في توجيه الشباب نحو القطاعات الواعدة مثل الزراعة والطاقة، التي منحتها الحكومة الأولوية كـ"ركائز أساسية لأي مسار تنموي مستدام" . - الأمن الغذائي والقطاع الزراعي:
أعلنت في كانون الثاني 2026، هيئة التخطيط والإحصاء نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي . حيث كشف هذا المسح أن "نسبة الأسر الآمنة غذائياً بلغت نحو 18.4%" فقط. هذا الرقم صادم ويعكس حجم الأزمة الإنسانية، ولكنه في الوقت نفسه دليل على أهمية الإحصاء في كشف الحقائق وتوجيه المساعدات.
كما يجب تعميم هذه النوعية من المسوح لتشمل قطاعات أخرى مثل الصناعة والتجارة والخدمات.
رابعاً، تحديات المنهجية الإحصائية في سورية الراهنة:
يواجه الباحثون والإحصائيون في سورية عدة تحديات منهجية:
- صعوبة الوصول الميداني: "الإحصاء يتطلب بداية القدرة على الوصول للميدان لتكون البيانات واقعية".
ورغم تحسن الأوضاع الأمنية بعد التحرير، لا تزال هناك مناطق تشكل تحدياً لوجستياً للوصول إليها. - انعدام الثقة: هناك حاجة إلى بناء ثقة المواطنين بأجهزة الإحصاء الرسمية، فالمواطن الذي لا يثق بالدولة لن يقدم معلومات دقيقة، "فمن المهم أن تكون هذه الهياكل الحكومية تحظى بثقة السكان ليتم التجاوب معها".
- تضارب المصادر: ما زالت هناك تباينات بين الأرقام الرسمية وتقارير المنظمات الدولية والدراسات الميدانية المحلية.
لهذا فإن توحيد المنهجيات وتبني المعايير الدولية هو السبيل الوحيد لحل هذا الإشكال. - ضعف الكوادر: النزوح وهجرة الخبرات أدى إلى فقدان الكثير من الكفاءات الإحصائية.
إن سورية تحتاج إلى برنامج وطني طموح لتدريب جيل جديد من الإحصائيين.
وقد أعلنت هيئة التخطيط عن "تفعيل مركز للبيانات والتدريب بهدف تطوير الكوادر" .
خاتمة:
بناءً على ما تقدم، تخلص هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج والتوصيات التي يقدمها المكتب الاقتصادي لـِ تيار المستقبل السوري:
أولاً، النتائج:
- تعاني سورية من غياب بنية تحتية إحصائية قادرة على تلبية احتياجات مرحلة إعادة البناء.
- التحديات السكانية (النزوح والعودة) تتطلب تدخلاً إحصائياً عاجلاً ومتكاملاً.
- هناك تطور مؤسسي إيجابي تمثل في إنشاء هيئة التخطيط والإحصاء، لكنه لا يزال غير كافٍ لمواجهة حجم التحديات.
- الاقتصاد غير الرسمي الكبير يشكل تحدياً منهجياً خاصاً يتطلب أدوات قياس مبتكرة.
- الشراكات الدولية (مثل التعاون مع برنامج الأغذية العالمي) أثبتت نجاحها ويجب توسيعها .
ثانياً، التوصيات:
توصية خاصة بإنشاء وزارة أو مديرية مركزية للإحصاء:
نظراً للأهمية الاستراتيجية للعمل الإحصائي في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سورية، ونظراً لحجم التحديات المطروحة،
يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
الخيار الأول (المفضل):
رفع مستوى هيئة التخطيط والإحصاء إلى وزارة مستقلة للتخطيط والإحصاء، تتبع رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، وتتمتع بصلاحيات كاملة في جمع ونشر البيانات، وموازنة مستقلة تمكنها من أداء مهامها.
يرسل هذا الخيار إشارة قوية إلى الداخل والخارج بأن الدولة السورية الجديدة تضع البيانات والتخطيط العلمي على رأس أولوياتها.
الخيار البديل:
في حال تعذر إنشاء وزارة مستقلة في الوقت الحالي، فيجب إنشاء مديرية مركزية للإحصاء ضمن هيكل هيئة التخطيط والإحصاء الحالية، على أن تكون هذه المديرية ذات استقلال فني وإداري ومالي، وأن يرأسها نائب لرئيس الهيئة بصلاحيات موسعة، تضاهي صلاحيات رؤساء الأجهزة الإحصائية المركزية في الدول المتقدمة.
ويجب أن تكون هذه المديرية مسؤولة عن إجراء التعداد السكاني العام، وتنفيذ جميع المسوح الوطنية، وإصدار النشرات الإحصائية الدورية، وأن تكون المظلة الرسمية الوحيدة المعتمدة للإحصاءات الوطنية. وقد سبق أن طالب خبراء بـ"إعطاء المكتب المركزي للإحصاء استقلالية وصلاحية لنشر البيانات بدقة وشفافية".
توصيات تنفيذية أخرى:
- إجراء تعداد سكاني شامل وفوري: يجب أن يكون هذا التعداد على رأس أولويات الحكومة خلال العام 2026-2027.
- اعتماد خطة وطنية للتدريب الإحصائي: تتضمن التعاون مع الجامعات السورية والمنظمات الدولية لاستعادة الكوادر المهاجرة وتأهيل كوادر جديدة.
- تطوير البنية التحتية الرقمية: إطلاق المنظومة الإلكترونية للرصد والتقييم التي أعلنت عنها هيئة التخطيط ، والعمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة ومفتوحة.
- توحيد المنهجيات: اعتماد منهجيات إحصائية موحدة في جميع المؤسسات الحكومية بما يتوافق مع المعايير الدولية، لضمان قابلية البيانات للمقارنة والتحليل.
إن بناء سورية الجديدة يبدأ بمعرفة دقيقة لواقعها. فالإحصاء ضرورة وجودية لأي دولة تسعى للتخطيط لمستقبلها.
وإن الاستثمار في بناء جهاز إحصائي قوي ومستقل اليوم، هو استثمار في نجاح خطط التنمية وإعادة الإعمار غداً.
وإن تيار المستقبل السوري، إذ يقدم هذه الرؤية، ليضع يده بيد القيادة السورية الجديدة وهيئة التخطيط والإحصاء، داعماً كل جهد علمي يهدف إلى بناء دولة المؤسسات والقانون والتنمية المستدامة، الدولة التي ضحى من أجلها ملايين السوريين.
قائمة المراجع:
- عنب بلدي. (2025). الإحصائيات.. أزمة تشلّ سوريا. متاح على: https://www.enabbaladi.net
- المنظمة الدولية للهجرة (IOM). (2026). التوق إلى أيام أفضل: تأملات من النازحين داخلياً في سوريا. متاح على: https://mena.iom.int
- الذاكرة السورية. (2025). المرسوم 18 لعام 2025: تحويل اسم الهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي إلى هيئة التخطيط والإحصاء. متاح على: https://syrianmemory.org
- تلفزيون سوريا. (2026). هيئة التخطيط السورية: نعمل على إعادة هيكلة شاملة للعمل الإحصائي وتعداد سكاني. متاح على: https://www.syria.tv
- المستقبل. (2024). عمليات "بناء الدولة في مراحل ما بعد النزاعات أو الثورات".. سورية في إطار. متاح على: https://almustaqel.com
- فيسبوك – هيئة التخطيط والإحصاء. (2026). عقد الأستاذ "أنس سليم" رئيس هيئة التخطيط والإحصاء اجتماعاً مع المدراء المركزيين. [منشور على فيسبوك]