قراءة في ملامح الاستقرار الهش وتحديات بناء الدولة السورية

الملخص:

تُحلل هذه الدراسة المشهد السوري خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية (2025-2026) بالاستناد إلى تقرير "معهد الشرق الأوسط" ومقاربات نظرية في علم السياسة المقارنة.
وتخلص إلى أن سورية تشهد مرحلة "استقرار هش" تتسم بانحسار العنف المسلح وتحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية، لكنها تواجه تحديات بنيوية في ملفات العدالة الانتقالية، وبناء مؤسسات شاملة، وإعادة صوغ العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وترى الدراسة أن نجاح الانتقال يتوقف على تحويل "الفرصة الأمنية" إلى عملية سياسية جامعة، وعلى توازن الأدوار الإقليمية والدولية الداعمة لهذا المسار.

مقدمة:

بعد أكثر من خمسين عاماً من الحكم الدكتاتوري وثلاثة عشر عاماً من الثورة على بشار الأسد، دخلت سورية في كانون الأول/ديسمبر 2024 مرحلة انتقالية جديدة.
يرسم التقرير الصادر عن "معهد الشرق الأوسط" في شباط/فبراير 2026 صورة إيجابية حذرة للعام الأول من هذه المرحلة، مشيراً إلى انخفاض كبير في العنف وتحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية.
لكن السؤال الأساسي يبقى: هل تعكس هذه المؤشرات انتقالاً حقيقياً نحو الاستقرار المستدام، أم أننا إزاء حالة من "الاستقرار الهش" الذي قد ينهار بفعل التحديات المتراكمة؟
هذه الدراسة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل نقدي للمشهد السوري الراهن.

المشهد الأمني – تراجع العنف وتحديات بناء الاحتكار الوطني للقوة:

يشير التقرير إلى تراجع غير مسبوق في وتيرة العنف خلال عام 2025، حيث انخفضت حالات القتل بنسبة 73% في الربع الأخير من العام.
ويعود هذا الانخفاض أساساً إلى اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في مؤسسات الدولة، وهو تطور يحل واحدة من أعقد إشكاليات الصراع السوري المتعلقة بالإدارة المنفصلة في شمال شرق البلاد.
كما ساهم هذا الاندماج في تراجع هجمات تنظيم "الدولة" (داعش) بنسبة 85% (The Middle East Institute, 2026).

لكن هذا الاستقرار الأمني يواجه ثلاثة تحديات رئيسية:

أولها: تحول أشكال العنف من المواجهات العسكرية واسعة النطاق إلى عنف مجتمعي وثأري.
فالتقرير نفسه يشير إلى انخفاض "الانتقام الأهلي" بنسبة 91%، مما يعني أن الخطر لا يزال قائماً ويتطلب آليات مستمرة للضبط الاجتماعي والعدالة الانتقالية.
وبعض المناطق مثل الساحل السوري والسويداء شهدت أحداثاً عنيفة، لكن التقارير الدولية لا تعزوها لقرار مركزي من السلطة السياسية الجديدة.


ثانيها: هشاشة عملية الاندماج، خاصة في المناطق ذات التركيبة السكانية المتنوعة.
حيث يبقى نجاح اندماج "قسد" رهناً بقدرة الدولة على استيعاب التنوع الكردي والعربي في تلك المنطقة، وضمان تمثيل عادل لجميع المكونات.
ويشير الباحث عماد العلي إلى أهمية "إنهاء تغريب المؤسسة السياسية عن المجتمع" كشرط لبناء دولة مستقرة (العلي، 2025).
هذا ويذكر التقرير إشارة إيجابية تتمثل في تجنيد علويين ودروز ومسيحيين في القوات الأمنية، لكن هذا الإجراء يجب أن يتوج بمشاركة سياسية حقيقية، لا أن يبقى مجرد توظيف أمني.


ثالثها: تحديات السيادة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية.
حيث يشير التقرير إلى أكثر من ألف غارة إسرائيلية وعمليات توغل بري منذ سقوط النظام البائد، مع اعتماد الحكومة على الدبلوماسية فقط في الرد. قدرة الدولة على حماية حدودها تمثل اختباراً حقيقياً لاستقرارها على المدى الطويل.

المؤشرات الاقتصادية – تعاف جزئي ومخاطر بنيوية:

يسجل التقرير مؤشرات اقتصادية إيجابية تتمثل بـ ارتفاع قيمة الليرة السورية بنسبة 20%، ونمو الناتج المحلي الإجمالي 5%، وعودة ثلاثة ملايين لاجئ، وتوقيع صفقات استثمارية معلنة قيمتها 35 مليار دولار. تعكس هذه المؤشرات تحسناً في الثقة وعودة جزئية للنشاط الاقتصادي.
لكن التحليل الأعمق يكشف عن تحديات كبرى.
فالتعافي النقدي غالباً ما يكون مرتبطاً بضخ سيولة وعودة ثقة مؤقتة، ولا يعكس بالضرورة تعافي القطاعات الإنتاجية الحقيقية.
والخطر الأكبر هو إعادة إنتاج "الاقتصاد الريعي" الذي كان أحد أسباب الثورة السورية، عبر الاعتماد على المساعدات الخارجية والاستثمارات المشروطة سياسياً، بدلاً من بناء اقتصاد منتج قادر على خلق فرص عمل مستدامة.

على أنه تُقدر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار وفق دراسات البنك الدولي السابقة (المركز العربي للأبحاث، 2025)، مما يعني أن الاستثمارات المعلنة – حتى لو تحققت كاملة – لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات.
كما أن عودة ثلاثة ملايين لاجئ تمثل ضغطاً هائلاً على بنية تحتية مدمرة وخدمات عامة شبه منهارة، وهذا البعد الإنساني يغيب غالباً عن التحليلات الاقتصادية الكلية.

العدالة الانتقالية – معادلة صعبة بين المحاسبة والمصالحة:

يمثل ملف العدالة الانتقالية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة السورية الراهنة.
ويُحدد الباحث حميد بلغيت أربعة متغيرات أساسية لفهم العلاقة بين العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي: العلاقة مع النظام السياسي البائد، والتوافقات السياسية المؤسسة للانتقال، والمسألة الدستورية، وترتيب أولويات المرحلة الانتقالية (بلغيت، 2025).

يتعقد المشهد في سورية لأن النظام البائد لم يكن مجرد دكتاتورية، بل بنى دولة أمنية شاملة تغلغلت في كل مفاصل المجتمع.
وتقدم هنا تجربة جنوب أفريقية نموذجاً مثيراً للجدل، حيث رجحت "لجنة الحقيقة والمصالحة" كفة الصفح على المحاسبة، في مقايضة اعتبرها البعض "ديمقراطية العقل قبل ديمقراطية العاطفة" (المركز العربي للأبحاث، 2025).
وقد تعامل هذا النموذج مع العدالة بمنطق أولويات تأمين الانتقال السياسي.

لكن تطبيق هذا النموذج في سورية يواجه إشكاليات خاصة.
فلقد كان الرئيس أحمد الشرع جزءاً من فصيل سابق (هيئة تحرير الشام) له تاريخه في إدلب، مما يثير تساؤلات حول كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع تجاوزات فصائلها إن وقعت.
ويرى بعض المراقبين مؤشرات إيجابية في خطاب الشرع، الذي لم يستخدم مفاهيم "الشريعة" أو "الدولة الإسلامية" في مقابلاته، بل تعامل بلغة "العقل العملي" والسياق المجتمعي السوري المتنوع (بشارة، 2026).
لكن هذا لا يغني عن آليات مؤسسية واضحة للكشف عن الحقيقة وجبر الضرر.

التحديات السياسية والاجتماعية – من الخطاب إلى الممارسة:

يطرح الباحث عزمي بشارة إشكالية مهمة في فهم خطاب القيادة السورية الجديدة: هل يمكن للحركات الإسلامية التي تنشأ في سياقات قمعية أن تتحول عند وصولها إلى السلطة؟
تشير تجارب عديدة إلى أن الإسلام الحركي "يتلون حسب السياق"، حين يكون السياق ليبرالي يصبح ليبرالياً، وحين تسود عسكرة وقمع يتحول إلى جهادي (بشارة، 2026).
يساعدنا هذا التحليل السياقي في فهم خطاب الرئيس الشرع الذي يتحدث عن "سورية الجديدة" و"دولة القانون" بلغة مدنية واضحة.

لكن الفجوة بين الخطاب والممارسة تبقى مصدر قلق.
فالمؤشرات الإيجابية موجودة، تتمثل بـ خطباء الجوامع في دمشق الذي دعوا المواطنين إلى إعادة الأثاث المنهوب من المؤسسات العامة، وشوهدت تجاوب شعبي مع هذه الدعوات.

لكن الأسئلة الكبرى ما زالت مفتوحة: كيف ستتعامل الدولة مع الحريات الفردية؟
وكيف ستضمن مشاركة جميع المكونات في صنع القرار؟

وهل يُشكل المجتمع المدني بُعداً غائباً في الكثير من التحليلات. في الأشهر الأخيرة، بدأت تظهر بوادر حراك مجتمعي محدود، لكن المساحة المتاحة للمنظمات غير الحكومية والنقابات المستقلة لا تزال غير واضحة المعالم.
وتجارب الانتقال في بلدان أخرى تُظهر أن بناء الديمقراطية كما يتم عبر المؤسسات الرسمية، يتم أيضاً عبر نسيج مجتمعي مدني قادر على المساءلة والمشاركة.

على أن انقسام الخريطة السورية سابقاً إلى مناطق نفوذ متعددة (النظام البائد، هيئة تحرير الشام، المعارضة المدعومة تركياً، قسد، السويداء) خلق إرثاً من التنوع في التجارب الإدارية والسياسية (إسماعيل، 2026).
ودمج هذا التنوع في دولة موحدة يتطلب حواراً وطنياً حقيقياً يعترف بهذا التعدد ولا يسعى إلى طمسه.

البعد الدولي والإقليمي – شرط أساسي لنجاح الانتقال:

يركز تقرير معهد الشرق الأوسط بشكل أساسي على التوصيات الأمريكية، داعياً إلى إنشاء وجود دبلوماسي وعسكري واستخباراتي دائم في دمشق.
لكن نجاح الانتقال السوري لا يمكن اختزاله في العلاقة مع واشنطن وحدها.

ويظل الدور التركي أساسياً نظراً للحدود الطويلة، وملف اللاجئين (حوالي 3 ملايين سوري في تركيا)، وعلاقة أنقرة بفصائل المعارضة السورية. وأما الدول الخليجية، التي قد تكون مصدر الاستثمارات الكبرى، فإنها تضع غالباً شروطاً تتعلق بالإصلاحات ومكافحة الفساد.
وأما روسيا وإيران، فرغم خسارتهما حليفهما الرئيس (الأسد)، لا تزال لهما مصالح في سورية قد تسعيان للحفاظ عليها.

حيث تشير نظرية دانكورت روستو إلى أن الحفاظ على "الوحدة الوطنية" تُمثل المرحلة الأولى والأساسية في أي انتقال ديمقراطي (مركز الجزيرة للدراسات، 2013).
لكن في حالة سورية، والوحدة الوطنية لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية والدولية.
ولهذا يتطلب نجاح الانتقال مقاربة دبلوماسية متوازنة تتعامل مع كل هذه الأطراف، ولا ترتهن لإرادة طرف دولي واحد.
وقد كررت الحكومة السورية الجديدة رغبتها في علاقات متوازنة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية أسعد الشيباني في تصريحاته.

الاستنتاج- سورية بين الاستقرار الهش وفرصة بناء الدولة:

تقدم سورية اليوم مشهداً متناقضاً.

فمن جهة، مؤشرات أمنية واقتصادية إيجابية بعد سنوات من الفوضى والدمار.

ومن جهة أخرى، تحديات بنيوية عميقة تتعلق بالهوية والمشاركة والعدالة.
يمكن وصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة "استقرار هش"، حيث تم إحراز تقدم كبير في ملف الأمن، لكن من دون تقدم موازٍ في ملفي السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويبقى هذا الاستقرار معرضاً للاهتزاز.

وإننا في تيار المستقبل السوري نرى نجاح التجربة السورية الانتقالية يتوقف على عدة عوامل مترابطة:

أولاً، قدرة القيادة الجديدة على تحويل "الشرعية الثورية" إلى "شرعية دستورية" عبر عملية سياسية جامعة تشارك فيها جميع المكونات.

ثانياً، بناء آليات عدالة انتقالية حقيقية توازن بين مقتضيات المحاسبة ومتطلبات المصالحة الوطنية.

ثالثاً، تبني نموذج تنموي ينتقل بالاقتصاد السوري من الريعية إلى الإنتاجية، ويخلق فرص عمل للاجئين العائدين والشباب.

رابعاً، تطوير علاقات دولية متوازنة تدعم بناء مؤسسات الدولة السورية دون وصاية، وتستثمر في السلام المستدام بدلاً من العودة إلى سياسات المحاور والإقصاء.

هذا، وتُظهر التجارب المقارنة أن الانتقال الديمقراطي ليس خطياً ولا مضمون النتائج.
لكنه يظل الخيار الأوحد لسورية لتخرج من دائرة العنف والاستبداد إلى فضاء المواطنة والكرامة.
والسنة الأولى من المرحلة الانتقالية قدمت مؤشرات إيجابية، لكن الطريق ما زال طويلاً وشاقاً نحو بناء دولة سورية جديدة ومستقرة.

قائمة المراجع:

  • المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2025). العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية (المجلد الأول). الدوحة: المركز العربي للأبحاث.
  • بشارة، عزمي. (2026). "عملية الانتقال السياسي في سورية ما بعد الأسد: تحليل في الخطابات". الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • العلي، عماد. (2025). "الانتقال السياسي في سورية: بناء الدولة وإصلاح المؤسسة السياسية". سياسات عربية، العدد 72.
  • بلغيت، حميد. (2025). "المتغيرات التفسيرية لعلاقة الانتقال الديمقراطي بالعدالة الانتقالية في تجارب الدول المغاربية". مجلة تكامل.
  • إسماعيل، علي. (2026). "ما بعد ديسمبر 2025: خرائط الانتقال السوري الممكنة". صحيفة الثورة السورية.
  • مركز الجزيرة للدراسات. (2013). الانتقال الديمقراطي: إطار نظري. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات.
  • The Middle East Institute. (2026). Syria’s Transition: Declining Violence and the Path Forward. Washington DC.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قرار الحكومة الكندية رفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سورية

قرار الحكومة الكندية برفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سورية ودلالاته الإيجابية على الشعب.

21 فبراير 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي للغة الأم

أهمية اليوم الدولي للغة الأم ودوره في تعزيز الهوية الوطنية والكرامة الإنسانية.

21 فبراير 2026

إدارة الموقع