المقدمة:
يُمثل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) نقطة تحول تاريخية في المشهد السوري المعاصر.
فبعد قيادته للعمليات العسكرية التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أصبح الشرع رئيساً انتقاليا في يناير 2025، محاولاً توحيد البلاد وإعادة بنائها وسط تحديات أمنية وسياسية هائلة.
ومع ذلك، فإن خلفيته كقائد سابق لهيئة تحرير الشام (HTS)، والتي كانت مرتبطة بالقاعدة سابقاً، جعلته هدفاً محتملاً لتهديدات متعددة، بما في ذلك محاولات الاغتيال من جهات جهادية متطرفة، وفلول النظام البائد، أو قوى إقليمية معادية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل إمكانية اغتيال الشرع بناءً على المحاولات السابقة الموثقة منذ توليه قيادة جبهة النصرة في 2012م وحتى يناير 2026م، مع مناقشة السيناريوهات المحتملة في حال نجاح مثل هذه العملية.
كما يركز المقال على الدرس الأبرز من التجربة السورية، ألا وهو ضرورة تجاوز شخصنة السلطة، كما حدث في عهد حافظ وبشار الأسد، نحو بناء دولة مؤسسات قوية تعتمد على عقد اجتماعي شامل وقانون عادل.
أخيراً، يُبرز كيف أن الشائعات المتكررة حول اغتيال الشرع، رغم نفيها غالباً، تُشكل فرصة إيجابية للتأمل في مخاطر ربط مستقبل الدولة بشخص واحد.
أظهرت عدة دراسات حول التحولات السياسية في الشرق الأوسط بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية[1] أنه في الدول الهشة ما بعد الصراعات، مثل سورية، يُعد اغتيال القادة عاملاً رئيسياً في زعزعة الاستقرار، ومع انتقال سورية إلى مرحلة إعادة البناء، يُصبح هذا التهديد أكثر إلحاحا، خاصة مع استمرار التوترات الطائفية والإقليمية.
تاريخ التهديدات والمحاولات الاغتيالية ضد أحمد الشرع:
بدأت مسيرة أحمد الشرع كقائد عسكري مع تأسيس جبهة النصرة في يناير 2012 كفرع سوري لتنظيم القاعدة، بدعم أولي مما بات يُعرف لاحقاً بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) آنذاك[2].
ومنذ ذلك الحين، تعرض لشائعات متكررة عن مقتله، خاصة خلال الصراعات الداخلية مع داعش بعد انشقاق النصرة عنه في 2013-2014م. وعلى سبيل المثال، انتشرت شائعات عن مقتله في اشتباكات أو غارات جوية خلال تلك الفترة، لكنها ثبت كذبها دائماً مما يعكس الحرب الإعلامية المصاحبة للصراع.
ومع تحول جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام في 2017م، وانفصالها عن القاعدة، بدأ الشرع في تبني خطاب أكثر براغماتية، مما زاد من تنوع التهديدات ضده.
لكن التهديدات الأكثر خطورة جاءت بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024م وتوليه الرئاسة الانتقالية في يناير 2025م.
ففي مارس 2025م، أحبطت قوات أمنية محاولة اغتيال أولى في دمشق، بمساعدة استخبارات تركية، حيث رصدت حركة مشبوهة أثناء خروجه من القصر الرئاسي[3].
وفي يونيو 2025م، أفادت تقارير دبلوماسية بنجاة الشرع من محاولتين على الأقل نفذتهما جماعات جهادية، بما في ذلك داعش، بسبب رفضه أيديولوجيتها المتطرفة وتقاربه مع الغرب[4].
كما أحبطت عملية مشتركة سورية-تركية محاولة مدعومة من حزب الله وقيل داعش في درعا في يونيو-يوليو 2025م، رغم نفي الحكومة السورية لبعض التفاصيل[5].
وفي يوليو 2025، ذكرت تقارير إسرائيلية أن الشرع نجا من ثلاث محاولات خلال الأشهر السبعة الأولى من حكمه، بمساعدة تركية[6].
هذا وبلغت التهديدات ذروتها في نوفمبر 2025، حيث أحبطت السلطات السورية محاولتين منفصلتين لداعش، مما أضفى بُعداً شخصياً على جهود الشرع للانضمام إلى التحالف الدولي ضد التنظيم[7].
كما حذر المبعوث الأمريكي توم باراك من مخاطر اغتياله بسبب تقاربه مع الغرب، ودعا وزير إسرائيلي علناً إلى اغتياله في يوليو 2025 [2].
أما الشائعات في ديسمبر 2025 ويناير 2026، فقد تضمنت ادعاءات عن إطلاق نار داخل القصر الرئاسي أو محاولات اغتيال مستشاره، لكنها نفت رسمياً واعتُبرت جزءاً من حملات تضليل[8].
على أن هذه التهديدات تعكس تنوع المصادر ما بين جهادية (داعش)، وإقليمية (حزب الله، تهديدات إسرائيلية)، وداخلية (فلول النظام أو معارضون داخليون).
السيناريوهات المحتملة في حال نجاح اغتيال الشرع:
في حال نجاح عملية اغتيال، ستكون التداعيات مدمرة للاستقرار السوري، نظراً لتركيز السلطة حالياً في شخص الشرع ودائرته المقربة من هيئة تحرير الشام السابقة.
أولاً، قد ينشأ فراغ سلطوي يؤدي إلى صراعات داخلية بين قادة الفصائل المتبقية، مشابهة للانقسامات بين النصرة وداعش في 2014م، مما يعيد البلاد إلى فوضى الحرب الأهلية[9].
ثانياً، قد يستغل داعش أو فلول النظام البائد الفراغ لإعادة التمدد، خاصة في المناطق الشرقية أو الساحلية ذات التوترات الطائفية، حيث انخفضت هجمات داعش في 2025 لكنها لم تنتهِ تماما[10].
ثالثاً قد يؤدي إقليمياً إلى تدخلات أكبر، مثل تركية في الشمال أو إسرائيلية في الجنوب، مما يُعمق التجزئة ويحول سورية إلى ساحة صراع إقليمي جديدة.
هذا وتُشير عدة دراسات عن تأثير اغتيال القادة في المنطقة، مثل اغتيال رفيق الحريري في لبنان، إلى أن مثل هذه الحوادث غالباً ما تُطيل عدم الاستقرار وتعيق بناء الدولة[1].
وقد يؤدي في سورية ذلك إلى عودة العنف الطائفي أو ظهور نموذج حكم هجين غير مستقر، كما في بعض المناطق بعد سقوط الأسد[11].
ضرورة تجاوز شخصنة السلطة وبناء دولة المؤسسات:
كان نظام حافظ الأسد (1970-2000) وبشار الأسد نموذجا لشخصنة السلطة، حيث رُكّزت المؤسسات الأمنية والعسكرية على الولاء الشخصي والطائفي، مما أدى إلى هشاشة الدولة وانهيارها السريع في 2024[12].
وانتهت "سورية الأسد" بانتهاء النظام، دون أن تترك مؤسسات قادرة على الصمود، مما يجب تجنبه في المرحلة الحالية.
وبدلاً من ذلك، يجب بناء "سورية الدولة" على أُسس مؤسساتية قوية، تشمل جيشا وطنيا موحدا، وقضاءً مُستقلا، ولامركزية إدارية تحترم التنوع الطائفي والعرقي.
وهنا نذكر تأكيد تقارير حديثة أن نموذج الحوكمة الهجين الذي نشأ بعد سقوط الأسد – مزيج بين المركزية والمحلية – يمكن أن يكون أساسا للاستقرار إذا تم تعزيزه بعملية عدالة انتقالية ومصالحة وطنية[11][13].
ويتطلب ذلك عقدا اجتماعياً جديداً يضمن المساواة والتمثيل لجميع المكونات، مع إصلاح اقتصادي يعيد توزيع الموارد بعيداً عن المحسوبية.
كما يجب دمج القوات المسلحة المتنوعة في إطار وطني، وإجراء انتخابات حرة، مع التركيز على العدالة الانتقالية لمعالجة جرائم الحرب دون إثارة الانتقام الطائفي[14].
وأيضا، تجنُب تكرار نموذج "سورية الأسد" يعني رفض الاعتماد على قائد كاريزمي واحد، وبناء نظام يصمد أمام الصدمات السياسية.
الشائعات كفرصة للتأمل في مستقبل سورية:
تبقى الشائعات المُتكررة رغم سلبيتها، عن اغتيال الشرع تذكر بأن مستقبل أي دولة لا يمكن ربطه بشخص واحد، مهما كان دوره تاريخياً[15].
فهذه الشائعات، التي غالباً ما تكون جزءاً من حرب إعلامية، توفر فرصة لتعزيز الوعي بأهمية المؤسسات، ودفع النخب السياسية نحو إصلاحات سريعة في الحوكمة والأمن.
الخاتمة:
تبقى إمكانية اغتيال أحمد الشرع -لا قدّر الله- عالية، نظراً لتاريخه الطويل من التهديدات والتوترات الحالية في سورية ما بعد الأسد.
ويبدو أن نجاح مثل هذه العملية قد يؤدي إلى تفكك البلاد وإطالة أمد الفوضى.
ولهذا فإن الدرس الأساسي هو الانتقال السريع من شخصنة السلطة إلى بناء دولة مؤسسات قوية، تعتمد على العقد الاجتماعي والقانون العادل، لضمان استمرارية سورية ككيان موحد ومستقر، بغض النظر عن الأشخاص وجميع المسميات.
المراجع:
- [1] International Crisis Group, "Regional Perspectives on the House of Assad’s Fall", December 2024.
- [2] Wikipedia, "Ahmed al-Sharaa", updated January 2026.
- [3] Yedioth Ahronoth (via Turkish Minute), "Turkish security units helped Syrian president survive 3 assassination attempts", July 2025.
- [4] L’Orient-Le Jour, "Exclusive: Sharaa has escaped two assassination attempts in recent months", June 2025.
- [5] Reuters (via Enab Baladi), "Syria foiled Islamic State attempts to assassinate al-Sharaa", November 2025.
- [6] Middle East Monitor, "Syrian President survives 3 assassination attempts in 7 months", July 2025.
- [7] Reuters, "Exclusive: Syria foiled Islamic State plots on President Sharaa’s life", November 2025.
- [8] Almodon, reports on rumors in Damascus, December 2025.
- [9] Carnegie Endowment for International Peace, "A Year Later, What is Your Assessment of the Assad Downfall?", December 2025.
- [10] International Crisis Group, "Restoring Security in Post-Assad Syria", December 2025.
- [11] Carnegie Endowment for International Peace, "Local Governance in Post-Assad Syria: A Hybrid State Model for the Future?", July 2025.
- [12] International Crisis Group, "Priorities after Assad’s Fall", December 2024.
- [13] Carnegie Endowment for International Peace, "Rebuilding the Syrian Nation: Impressions from the Ground", April 2025.
- [14] Carnegie Endowment for International Peace, "Three Requisites for Syria’s Reconstruction Process", May 2025.
- [15] Enab Baladi, "Al-Sharaa’s pragmatism threatens his assassination… Warnings and two attempts", June 2025.