الإسراء والمعراج من قداسة الوحي إلى نهضة الحضارة

ليست ذكرى الإسراء والمعراج مجرد استدعاءٍ لحدثٍ معجز في سيرة النبوة، بل هي إعلانٌ متجدّد عن منطقٍ إلهيٍّ يحكم مسار الأمم، مفاده أن الرسالات العظمى لا تكتمل إلا حين تلتقي قداسة السماء مع مسؤولية الأرض، وحين يتحول الإيمان من شعورٍ فردي إلى مشروعٍ حضاريٍّ جامع.

لقد كان اختيار المسجد الأقصى محطة الإسراء الأولى قبل المعراج إلى السماوات إعلانًا مبكرًا أن القدس ليست أرضًا متنازعًا عليها فحسب، بل هي بوصلة المعنى في وجدان الأمة، وميزان عدالة التاريخ، ومفتاح فهم العلاقة بين الدين والعمران والسياسة.
فالرسالة التي بدأت من مكة، وأُعلن اكتمال معناها في القدس، إنما أرست خريطة الوعي الإسلامي، أنه لا توحيد بلا عدل، ولا عبادة بلا عمارة، ولا إيمان بلا مسؤولية تجاه الأرض والإنسان.

ومن هنا، فإن استحضار الإسراء والمعراج اليوم يضعنا أمام سؤالٍ معاصر لا يقل عمقًا عن سؤال العقيدة: كيف نحول الإيمان إلى قوة تحرير، والروح إلى مشروع نهوض، والذاكرة المقدسة إلى برنامج عمل؟

لقد شهدت سورية خلال العقود الماضية أحد أقسى أشكال الانكسار الحضاري في تاريخها الحديث.
لم يكن ما أصابها مجرد صراعٍ سياسي، بل محاولة لاقتلاعها من دورها التاريخي كمركزٍ لصناعة التوازن في المشرق، وكجسرٍ بين الرسالة والمدينة، بين الفكرة والدولة.
لكن الشعوب التي تحمل في ذاكرتها عمق الحضارة لا تموت، بل تمرض، ثم تنهض.

وها هي سورية اليوم تستعيد نبضها، لا بوصفها جغرافيا تتعافى، بل باعتبارها عقلًا جمعيًا يعود إلى التفكير، وضميرًا عامًا يستيقظ، وإرادةً سياسية ترفض الاستسلام لواقع فرضته قوى الاستبداد والاحتلال معًا.
وهذه القيامة السورية من كبوتها ليست حدثًا داخليًا، بل جزء من دورة تاريخية أوسع تعيد للأمة توازنها بعد زمنٍ طويل من التيه.

وفي قلب هذا التيه تبقى فلسطين، كما المسجد الأقصى، لا كونهما قضية قومية فحسب، بل لأنهما امتحان صدقٍ للعلاقة بين الدين والسياسة!.
فمن يرفع راية الإيمان ثم يقبل باحتلال أولى القبلتين، لم يفهم روح الرسالة.
ومن يتحدث عن السيادة الوطنية ويتجاهل قداسة القدس، لم يدرك معنى الجغرافيا في تشكيل الهوية.

إننا نؤمن أن نهضة سورية الحديثة لا تكتمل إلا حين تعود إلى موقعها الطبيعي في معادلة القدس.
فالشام، عبر التاريخ، كانت العمق الاستراتيجي للمدينة المقدسة، وكانت حاضنة علمائها، وسند مقاومتها، ورافعة حضورها في وجدان الأمة.
ومن دون سورية حرة واعية، تبقى القدس جرحًا مفتوحًا؛ ومن دون القدس حاضرة في الوعي، تبقى سورية بلا بوصلة رسالية.

هنا تتجلى المعاني التنويرية للإسلام:

إسلامٌ لا يهرب من السياسة إلى الزوايا،
ولا يحوّل السياسة إلى كهنوتٍ ديني،
بل يجعل من القيم الربانية أساسًا لعدالة الدولة، وكرامة الإنسان، وحرية الشعوب.

إن الإسراء والمعراج ليسا هروبًا من الأرض إلى السماء، بل إعلانًا أن الإنسان مدعوٌّ ليعمر الأرض على هدي السماء.
وأن القداسة ليست حكرًا على الماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.

ومن واجبنا اليوم أن ننقل هذه المعاني إلى أبنائنا وبناتنا، بأن نربطهم بالمسجد الأقصى لا كحكايةٍ بعيدة، بل كجزءٍ من هويتهم الحضارية.
أن نعلّمهم أن فلسطين ليست خبرًا في الإعلام، بل سؤال عدالة في ضمير العالم.
وأن نزرع فيهم أن سورية الجديدة التي يحلمون بها، دولة حرّة عادلة، لا يمكن أن تنفصل عن قضية الحرية الأولى في القدس.

وفي مواجهة المشروع الصهيوني الذي يسعى لاقتلاع الذاكرة، وتفكيك الوعي، وإعادة تشكيل المنطقة على أساس الهيمنة، فإن الردّ الحقيقي لا يكون بالشعارات وحدها، بل ببناء مشروع نهضوي عربي-إسلامي جديد، يجمع بين الدولة الحديثة والهوية، بين الديمقراطية والقيم، بين العقل النقدي والإيمان الواعي.

إن ذكرى الإسراء والمعراج تذكّرنا أن بعد كل حصارٍ فرج، وبعد كل ليلٍ فجر، وبعد كل انكسارٍ معراج.
وأن أمتنا التي أنجبت عمر بن الخطاب محرر القدس، وصلاح الدين جامع المشرق، قادرة أن تنجب أجيالًا جديدة تحمل الراية بعقلٍ مستنير، وقلبٍ مؤمن، وإرادةٍ لا تنكسر.

إننا في المكتب الديني لـِ تيار المستقبل السوري، نرى في هذه الذكرى نداءً مفتوحًا:

أن نعيد بناء العلاقة بين الدين والحياة،
بين المسجد والمدرسة،
بين الذاكرة والمشروع،
بين سورية والقدس.

حتى إذا اكتملت قيامة سورية الحضارية، اكتمل اقتراب فجر القدس.
وتحقق وعد الإسراء في معراج الأمة كلها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قوات سورية الديمقراطية في المفترق الاستراتيجي

دور قوات سورية الديمقراطية في المفترق الاستراتيجي وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي وتطور الوضع السوري.

15 يناير 2026

جمعة محمد لهيب

ذكرى الإسراء والمعراج

ذكرى الإسراء والمعراج، اللحظة التي وحدت السماء بالأرض وأكدت مكانة المسجد الأقصى في قلوب المسلمين.

15 يناير 2026

إدارة الموقع