الوهم النفطي وسقوط سيد القرية
تخيل أنك تعيش في قريةٍ كبيرة، يسكنها مئات الآلاف، لكن لا أحد يثق بالآخر. كل بيتٍ مغلقٌ على نفسه، وكل عائلةٍ تخشى أن تُسرق لو فتحت بابها. في وسط القرية، هناك بئر ماءٍ عميق، يملأه المطر مرةً كل عام. من يملك دلوًا كبيرًا أو مضخةً قوية، يتحكم في من يشرب ومن يعطش. طوال عقود، ظنّ سكان القرية أن هذا البئر هو مصدر قوتهم، فراحوا يبيعون منه قطرةً قطرة، ويستخدمون ثمنها لشراء أقفالٍ أثقل، وأسوارٍ أعلى، وحراسٍ أكثر. لم يبنوا مدرسةً، ولا مستشفىً، ولا حتى طريقًا مشتركًا. كل ما فعلوه: حرسوا البئر، وقاتلوا بعضهم على من يقترب منه أكثر.
الآن، جاء من خارج القرية رجلٌ قويّ، يملك نهرًا خاصًّا به، ومضخاتٍ لا تنضب. وقال لهم: لا داعي لهذا البئر بعد اليوم. عندي ماءٌ أفضل، وأرخص، وأنا من سيقرّر من يشرب. ثم أشار إلى أحد بيوت القرية ذلك الذي كان دائمًا يرفض طاعته وقال: سأهدم بيته، وأبني مكانه محطةً لمياهي. فجأة، شعر صاحب الدلو الأكبر الذي كان يظن نفسه سيد القرية بالرعب. ليس لأنه يحبّ جاره، بل لأنه يعرف: بمجرد أن يسيطر الغريب على كل مصادر الماء، لن يكون له أي صوتٍ بعد الآن. سيصبح مجرد خادمٍ عند بوابة النهر.
هذا التشبيه البسيط هو ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط، والبئر هو النفط، والرجل القويّ هو الولايات المتحدة، والبيت المرفوض هو إيران، وسيد القرية هو السعودية. المشكلة ليست في الخوف السعودي، بل في
الوهم الذي عاش عليه العرب طوال نصف قرن : أن المال يصنع القوة، وأن الولاء للخارج يضمن البقاء. واليوم، مع احتمال سقوط إيران التي تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي وثاني أكبر احتياطي غازي في العالم تحت النفوذ الأمريكي المباشر، يبدأ هذا الوهم بالانهيار أمام أعيننا.
الدولة المركزية أم المجتمع الحيّ؟ مواجهة المصير
هذه اللحظة ليست كارثة جيوسياسية فحسب، بل اختبار وجودي لكامل المشروع السياسي العربي الحديث. لأن القوة الحقيقية لم تعد تُقاس بحجم الخزائن أو عدد الدبابات، بل بقدرة الشعوب على بناء مجتمعاتٍ حيّة، قادرة على التفكير، الإنتاج، والمشاركة. طوال عقود، راهنت الأنظمة على نموذجٍ واحد: دولةٌ مركزيةٌ قوية، تفرض الوحدة من الأعلى، وتعتبر التنوّع تهديدًا، وتُنتج الأمن عبر الخوف لا عبر الثقة.
وبدلاً من استثمار عائدات النفط في بناء الإنسان في تعليمه، صحته، إبداعه أنفقت المليارات على أسلحةٍ أجنبية، وقصورٍ فاخرة، ومشاريع ترفيهيةٍ لا تطعم جائعًا. وحتى حين تحدثوا عن الوحدة العربية، كانت كلماتهم فارغة، لأنهم لم يبنوا أي مؤسسةٍ حقيقية تربط شعوبهم: لا عملةً مشتركة، لا جيشًا موحدًا، لا شبكة طاقةً إقليمية، لا حتى مناهج تعليمٍ تحكي تاريخًا واحدًا.
والآن، يدفعون الثمن. فسقوط إيران إن حدث لن يكون مجرد تغيير في خريطة السلطة، بل نهاية لعبة النفط ككل لأن أمريكا، التي أصبحت أكبر منتج نفطي في العالم، ستضيف إلى إنتاجها المحلي إنتاج فنزويلا وإنتاج إيران. وبذلك، تصبح واشنطن قادرةً على ضخّ ما تريد، متى تريد لخفض الأسعار وضرب الخصوم، أو رفعها لمعاقبة الحلفاء غير المطيعين، أو استخدام الغاز والنفط الإيرانيين كهدية جيوسياسية لإسرائيل أو الهند. وحينها، تفقد السعودية التي كانت تُسمّى الميزان النفطي كل نفوذها. فما فائدة أن تكون منتجًا مرجّحًا إذا كان الخصم يملك ثلاثة أضعاف طاقتك؟
لكن الخطر الأعمق ليس اقتصاديًّا، بل سياسيًّا وجوديًّا: فسقوط إيران يعني عزل روسيا عن حليف استراتيجي، وإضعاف الصين في طريق الحرير، وإحكام الطوق على العرب، الذين سيجدون أنفسهم بلا حليف، ولا نفط يفاوضون به، ولا مشروع يوحدهم. وسيصبحون أممًا بلا روح تُدار من خارج حدودها، لا يُسألون عن رأيهم في الحرب أو السلم، في التطبيع أو المقاومة، في التعليم أو الاقتصاد. سيكون قرارهم مسبقًا مكتوبًا في غرفٍ مغلقةٍ في عواصم لا ترى فيهم سوى أدواتٍ أو عقبات.
البذرة التي لا تموت: مقاومة الثقافة والمجتمع
اليوم، نحن بحاجة ماسّة ليس إلى مقاومة عسكرية تقليدية لأنها ستفشل كما فشلت قبلها بل إلى ثورة ثقافية واجتماعية. فالسلطة الحقيقية لا تُبنى على السلاح أو المال، بل على الثقافة، الوعي الجماعي، والقدرة على الإنتاج فما الفائدة من امتلاك أقوى جيشٍ إذا كان الشعب جاهلًا، مقسّمًا، خائفًا من ظله؟ وما الفائدة من امتلاك النفط إذا لم تُنتَج فكرةٌ واحدة، ولا تُصدّر لوحةٌ فنية، ولا تُبتكر تقنية؟
هل تعتقد أن أمريكا أو غيرها ستهدّد المنطقة لو أن العرب يصدّرون الطاقة الشمسية، ويُنتجون أدويةً، ويُدرّسون فلسفةً جديدة؟ بالطبع لا. لأن القوة الحقيقية ليست في ما تملكه، بل في ما تنتجه .
لكن المشكلة أن النخب الحاكمة لا تريد هذا التغيير. فهي تربح من الوضع الراهن: تبيع النفط، وتشتري الأسلحة، وتدفع فواتير القصور، وتحافظ على كرسيها عبر القمع. وهي تعرف أن أي مشروعٍ ديمقراطي حقيقي يقوم على المشاركة، التنوّع، واللامركزية سيُهدّد وجودها. ولذلك، تفضل أن تبقى المنطقة مفككة، خائفة، تعتمد على الخارج. وهذا بالضبط ما تستغله القوى العظمى: فهي لا تريد إسقاط الأنظمة من أجل الحرية، بل لتحويلها إلى محطات خدمة في نظام عالمي لا مكان فيه إلا للمهيمن أو التابع. وعندما تنجح، ستُوجّه أنظارها إلى بقية المنطقة قد تدعم انفصالاتٍ جديدة كما فعلت مع صوماليلاند أو تؤجّج حروبًا أهلية كما في السودان أو تمول ميليشيات طائفية كما في العراق وسوريا. لأن الفوضى هي أرخص وسيلة للهيمنة.
لكن أمام هذا الواقع القاتم، لا يزال هناك أمل. والأمل لا يأتي من الحكومات، بل من الناس العاديين: من المعلّمة التي تُدرّس أطفالها أن الوطن ليس حدودًا، بل قيمًا. من الشاب الذي يترجم كتب الفلسفة إلى العربية. من المرأة التي تفتح مشغلًا صغيرًا في قريتها. من الفنان الذي يرسم وجع شعبه دون خوف. من الناشط الذي يبني جسرًا بين طوائفٍ كانت تتقاتل بالأمس.
هؤلاء هم بناة المستقبل الحقيقيون. لأنهم لا ينتظرون الزعيم ليُنقذهم، بل يبدأون من حيث هم، بوسائلهم، بأحلامهم. وهم وحدهم القادرون على كسر حلقة التبعية، وبناء قوةٍ حقيقية لا تُهدّدها سقوط إيران، ولا تُرهبها تصريحات ترامب.
ففي النهاية، لن يُسأل التاريخ: من كان يملك النفط؟
بل: من بنى إنسانًا حرًّا؟
والعرب، اليوم، أمام خيارين:
إما أن يواصلوا حراسة البئر حتى يجفّ،
أو أن يزرعوا بذورًا جديدة، في تربةٍ لم يسقيها أحد منذ قرون.