رموز وأعلام الدولة في سورية (42)عبد الرحمن باشا اليوسف

النشأة والجذور الاجتماعية:

وُلد عبد الرحمن باشا اليوسف في حي ساروجا بمدينة دمشق، خارج أسوار المدينة القديمة، وينتمي إلى أسرة كردية عريقة قدمت من مدينة ديار بكر إلى دمشق في مطلع القرن التاسع عشر.
كان والده محمد باشا اليوسف من أبرز أعيان دمشق في العهد العثماني، وتولى مناصب إدارية وسياسية رفيعة في كل من حمص وعكا وطرابلس الشام، ما وفر لابنه بيئة سياسية واجتماعية مؤثرة منذ نشأته.
ورث عبد الرحمن اليوسف ثروة كبيرة عن جده لأمه، الوجيه الكردي محمد سعيد شمدين آغا، شكلت لاحقاً قاعدة نفوذه الاقتصادي.

إمارة الحج الشامي والصراع على النفوذ:

في عام 1891، عُيّن عبد الرحمن اليوسف أميراً لمحمل الحج الشامي، وهو في العشرين من عمره، خلفاً لوالده.
وقد أثار تعيينه اعتراض عدد من أعيان دمشق بسبب صغر سنه وحداثة تجربته، لكون هذا المنصب من أرفع المناصب الدينية والسياسية في العالم الإسلامي.
كان من أبرز المعترضين أحمد عزت باشا العابد، أمين سر السلطان عبد الحميد الثاني، الذي سعى لحصر هذا المنصب بعائلة العابد الدمشقية. تدخل الشيخ أبو الهدى الصيّادي، مستشار السلطان، لحسم الخلاف لصالح اليوسف، ما أدى إلى قطيعة طويلة بين عائلتي اليوسف والعابد، لم تُنهَ إلا بزواج زهراء اليوسف، شقيقة عبد الرحمن، من محمد علي العابد.

التحالفات العائلية وتكريس الثروة:

استفاد عبد الرحمن اليوسف من تجربة والده في توسيع النفوذ عبر المصاهرة، فتزوج من فايزة العظم، ابنة خليل باشا العظم، المنحدرة من أسرة سياسية دمشقية حكمت المدينة في القرن الثامن عشر، وتولى عدد من أبنائها إمارة الحج.
أسهم هذا الزواج في مضاعفة ثروته وتعزيز علاقاته مع أعيان دمشق، إلى جانب الأراضي الزراعية الواسعة التي ورثها عن والده، والتي كانت تدر عليه ما لا يقل عن عشرة آلاف ذهبة سنوياً.

النفوذ الاقتصادي والاجتماعي:

مع مطلع القرن العشرين، امتلك عبد الرحمن اليوسف الشاطئ الشرقي الكامل لبحيرة طبريا، وثلاث قرى في غوطة دمشق الشرقية، وخمس قرى في سهل البقاع، وأربعاً وعشرين قرية في الجولان، ما جعله من أغنى الشخصيات العربية في الدولة العثمانية.
عُرف بسخائه الكبير مع العاملين لديه، فكان يمنح رواتب غير مسبوقة في دمشق آنذاك، لكسب الولاء والاحترام الاجتماعي.

الدور السياسي في العهد العثماني:

لعب اليوسف دوراً بارزاً في التقارب العثماني الألماني، وكان من منظمي استقبال القيصر الألماني غليوم الثاني في دمشق عام 1898، حيث نزل ضيفاً في قصره بسوق ساروجا.
حافظ على ولائه للسلطان عبد الحميد الثاني حتى انقلاب 1908، ثم تحالف مع جمعية الاتحاد والترقي، وانتُخب نائباً عن ولاية سورية في البرلمان العثماني عام 1909، وأعيد انتخابه عامي 1912 و1914، كما عُين عضواً في مجلس الأعيان واللجنة المركزية للجمعية، ورئيساً لفرعها في دمشق.

موقفه من الجمعيات العربية:

عارض عبد الرحمن اليوسف الجمعيات العربية الناشطة قبل الحرب العالمية الأولى، معتبراً أنها لا تمثل الشارع السوري، ورأى في الجمعية العربية الفتاة أداة بيد فرنسا وبريطانيا.
ولم يتدخل للدفاع عن عدد من النواب العرب الذين أُعدموا لاحقاً، ومنهم عبد الحميد الزهراوي وشفيق مؤيد العظم.

من الدولة العثمانية إلى العهد الفيصلي:

بعد سقوط الدولة العثمانية، رفض مبايعة الأمير فيصل بن الحسين، معتبراً الثورة العربية الكبرى خيانة للخلافة الإسلامية.
تردد في العودة إلى دمشق بعد دخول الجيوش العربية عام 1918، قبل أن يعود بضمانة رسمية من الأمير فيصل.
دخل الحياة السياسية مجدداً بعد إلغاء إمارة الحج، وشارك في تأسيس الحزب السوري الوطني، المعروف شعبياً بحزب الذوات.

الحزب السوري الوطني وبدايات الهوية السورية:

طالب الحزب باستقلال سورية ووحدة أراضيها، واعتماد نظام ملكي دستوري، والمساواة بين جميع مكونات الشعب السوري دون تمييز ديني أو عرقي.
كان لافتاً أن اليوسف، أمير الحج العثماني السابق، عرف نفسه لأول مرة بوصفه سورياً لا عثمانياً، في تحول سياسي مهم يعكس تشكل الهوية الوطنية السورية.

المؤتمر السوري الأول والاستقلال:

انتُخب عبد الرحمن اليوسف نائباً عن دمشق في المؤتمر السوري الأول عام 1919، وشغل منصب نائب رئيس المجلس.
شارك في إعلان استقلال سورية في 8 آذار 1920، ومبايعة الأمير فيصل ملكاً على البلاد، ورفض مشاريع التقسيم والانتداب.

موقفه من معركة ميسلون:

عند تقدم الجيش الفرنسي نحو دمشق، دعا اليوسف إلى تجنب المواجهة العسكرية، إدراكاً لاختلال ميزان القوى، حرصاً على أرواح السوريين، في موقف يعكس براغماتية سياسية أكثر من حماسة عاطفية.

المنصب الأخير والاغتيال:

بعد هزيمة ميسلون، عُين رئيساً لمجلس الشورى في حكومة علاء الدين الدروبي.
وفي أثناء مهمة رسمية إلى حوران للتفاوض حول الغرامات الفرنسية، قُتل اليوسف ورئيس الوزراء في محطة خربة غزالة يوم 21 آب 1920، في حادثة مأساوية هزت البلاد.

التشييع والإرث الوطني:

أعيد جثمانه إلى دمشق بعد شهر، وشيع في جنازة رسمية، ودُفن في مقبرة الدحداح.
خلدت عائلته ذكراه بتقديم أرض لإقامة مستشفى ابن النفيس، ووضع لوحة رخامية تحمل اسمه.
تولى ابنه محمد سعيد اليوسف منصب محافظ دمشق عام 1949، فيما انخرط شقيقه حسن سامي اليوسف في العمل السياسي.

عبد الرحمن باشا اليوسف في الذاكرة السورية:

يوجد مجسم خاص لعبد الرحمن اليوسف في متحف قصر العظم، ضمن قسم محمل الحج الشامي، تخليداً لدوره في تاريخ الدولة السورية.

موقف تيار المستقبل السوري:

إننا في تيار المستقبل السوري، إذ نستذكر رجالات الدولة المؤسسين لسورية، نستحضر أحد رموز الاستقلال وأعلام الدولة السورية الأولى، النائب عبد الرحمن باشا اليوسف، ضمن سلسلة توثيقية تهدف إلى ربط حاضرنا الثوري بماضٍ وطني صلب، وإحياء الحاجة إلى صناعة رجال دولة يحفظون الوطن، ويصونون مكتسباته، ويعيدون للدولة السورية عزها ومجدها بعد عقود من الاستبداد والفساد.

شاركها على:

اقرأ أيضا

علم الإشاعة في الممارسة السياسية ودورها في تشكيل الرأي العام

دور علم الإشاعة في الممارسة السياسية وكيف يؤثر على تشكيل الرأي العام وثقة المواطنين.

6 يناير 2026

إدارة الموقع

إطلاق وزارة الصحة خطتها الاستراتيجية الشاملة لتطوير القطاع الصحي

خطة وزارة الصحة السورية لتطوير القطاع الصحي ودعم إعادة البناء في المرحلة الانتقالية.

6 يناير 2026

إدارة الموقع