عودة الثروات الوطنية إلى الدولة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي

المقدمة:

يبرز قطاع الطاقة كمحور أساسي لاستعادة السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي. كما يمثل النفط والغاز والكهرباء رموزاً للكرامة الوطنية والقدرة على التحكم في المصير الجماعي.

في هذا المقال، سنستعرض رؤية وطنية لاستعادة هذه الثروات، مع التركيز على التحديات الحالية والآفاق المستقبلية، محاولين رسم طريق نحو اكتفاء ذاتي مستدام يعزز الوحدة السورية ويحمي مستقبل الأجيال القادمة.

يعتمد التحليل بالمقال على نهج فلسفي يجمع بين الاقتصاد السياسي والأخلاقيات البيئية، ليؤكد أن الطاقة عنصر أساسي في بناء الهوية الوطنية.

الرؤية الوطنية.. الطاقة كأساس للسيادة والوحدة:

تعتبر عودة السيطرة على الموارد الطاقية بعد إنهاء سيطرة قسد على الجزيرة خطوة حاسمة نحو تعزيز الوحدة السورية.
تاريخياً، كانت سورية قبل عام 2011 تتمتع بإنتاج نفطي يصل إلى حوالي 400 ألف برميل يومياً، مما ساهم في تغطية احتياجاتها الداخلية ودعم الاقتصاد الوطني. أما اليوم، في عام 2026، فإن استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية تمثل استعادة للسيادة الاقتصادية، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقليل الاعتماد على الواردات التي تكلف الدولة مئات الملايين سنوياً.
يُذكرنا هذا بفكرة جان جاك روسو في "العقد الاجتماعي"، حيث تكون الدولة تعبيراً عن الإرادة العامة، وبالتالي يجب أن تكون الموارد الطبيعية ملكاً جماعياً يخدم المصلحة العامة، لا أداة للاستغلال الخارجي أو الداخلي.
في هذا السياق، يمكن أن تكون الطاقة أداة للمصالحة الوطنية.

فعلى سبيل المثال، إعادة توزيع عائدات النفط والغاز بشكل عادل بين المحافظات يعزز الشعور بالانتماء الوطني، خاصة في المناطق التي عانت من التهميش.
كما أن توليد الكهرباء من السدود مثل سد الفرات وسد تشرين يمكن أن يوفر طاقة مستقرة للصناعات الزراعية والصناعية، مما يعيد إحياء الاقتصاد المحلي.
ومع ذلك، يتطلب ذلك رؤية فلسفية عميقة ترى في الطاقة ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصراً في بناء مجتمع عادل يعتمد على مبادئ الاستدامة والعدالة الاجتماعية.
ففي فلسفة أرسطو، تكون "المدينة" (الدولة) مكاناً لتحقيق "الحياة الطيبة"، وهنا تكمن أهمية الطاقة كوسيلة لتحقيق الرفاهية الجماعية، وليس الثراء الفردي أو الفصائلي.

التحديات الحالية.. بين التدمير التاريخي والعوائق الاقتصادية:

تواجه سوريا رغم الإمكانيات الواعدة، تحديات هيكلية عميقة في قطاع الطاقة.

فمن الناحية الاقتصادية، انخفض إنتاج النفط إلى أقل من 100 ألف برميل يومياً في السنوات الأخيرة، بسبب تدمير البنية التحتية أثناء النزاعات بين الشعب والنظام البائد وحلفائه، بالإضافة إلى النهب والاستخراج غير المنظم الذي أدى إلى استنزاف الاحتياطيات.
أما الغاز، فيغطي حالياً أقل من نصف الاحتياجات المحلية، مما يجبر الدولة على الاستيراد، ويزيد من الضغط على الميزانية الوطنية.
كما يعكس هذا الواقع تناقضاً فلسفيا هيغلياً: بين الإمكانية النظرية للاكتفاء الذاتي والواقع المادي الذي يفرض التبعية، مما يتطلب "تجاوزاً" يجمع بين الحفاظ على التراث الوطني والابتكار الحديث.

بالإضافة إلى ذلك، يعاني قطاع الكهرباء من نقص في القدرة الإنتاجية، حيث لا تتجاوز القدرة الحالية 2 غيغاواط، مقارنة بـ9 غيغاواط قبل الثورة.
حيث يؤدي هذا النقص إلى تقنين شديد للكهرباء، مما يعيق التنمية الصناعية والزراعية.
يمكن ربط هذه التحديات بفكرة فوكوياما في "نهاية التاريخ"، حيث يجب على الدول النامية مثل سورية أن تتجاوز الصراعات الداخلية للوصول إلى نموذجه الذي رآه يدير الموارد بكفاءة.
كما أن التغيرات المناخية، مثل انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات، تضيف تحدياً بيئياً يتطلب نهجاً مستداماً.

وهنا، تبرز فلسفة الاستدامة كما عند هانس يوناس في "مبدأ المسؤولية"، الذي يدعو إلى مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال المقبلة، مما يجعل الاعتماد على الوقود الأحفوري وحده غير كافٍ.

وعلاوة على ذلك، تظل تبعات العقوبات الدولية، رغم رفعها في 2025، عائقاً أمام الاستثمارات الأجنبية.
ويتطلب ذلك سياسات وطنية تركز على الشراكات الاستراتيجية مع دول مثل السعودية وتركيا، وهو مانراه وندعمه، لكن دون التفريط في السيادة.

النظرة المستقبلية.. نحو اكتفاء ذاتي مستدام:

يمكن لسورية تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة، إذا تم الاستثمار في إعادة تأهيل الحقول والسدود.
وعلى سبيل المثال، يمكن مضاعفة إنتاج الغاز إلى 15 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية 2026، من خلال شراكات مع شركات دولية مثل أرامكو أو شركات أمريكية.

يعكس هذا الانتقال إلى الاستدامة فكرة نيتشه في "الإرادة إلى القوة"، حيث تتحول الدولة من حالة الضعف إلى القوة من خلال الابتكار والتكيف.
ولكن يجب أن يشمل النهج المستقبلي التنويع نحو الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، التي يمكن أن تغطي 20% من الاحتياجات بحلول 2030.
وهذا التنويع لن يكون اقتصادياً فحسب، بل فلسفياً يعبر عن "التوازن البيئي" كما عند ألدو ليوبولد في "أخلاقيات الأرض"، حيث تصبح الطاقة جزءاً من نظام بيئي متوازن. كما يتطلب الأمر إصلاحات مؤسسية، مثل إنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط، لضمان التوزيع العادل وتمويل التنمية.

علاوة على ذلك، يمكن أن تكون سورية مركزاً إقليمياً للطاقة، من خلال اتفاقيات عبور الغاز مع دول الجوار، مما يعزز السلام الإقليمي.
يذكرنا هذا بفلسفة كانط في "السلام الدائم"، حيث تكون الشراكات الاقتصادية أساساً للاستقرار الدولي.

الخاتمة:

في الختام، تمثل عودة الثروات الطاقية إلى الدولة السورية فرصة تاريخية لبناء مجتمع مستقل ومستدام.

ومن خلال رؤية وطنية تركز على الوحدة، ونظرة فلسفية عميقة تربط الطاقة بالأخلاقيات والاستدامة، يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي.
يتطلب ذلك جهوداً مشتركة بين الحكومة والمجتمع المدني، مع الاستفادة من الشراكات الدولية دون التفريط في السيادة.

ولكل ماسبق فإننا في تيار المستقبل السوري نوصي لإعادة بناء قطاع الطاقة في سورية بما يأتي:

  1. إعادة تأهيل الحقول النفطية والغازية باستخدام تقنيات متقدمة لاستعادة الاحتياطيات: يجب على الحكومة السورية تشكيل شراكات فنية مع شركات دولية مثل Shell أو Chevron لاستخدام تقنيات الحقن بالماء (water-injection) والحفر المتقدم لاستعادة الاحتياطيات المقدرة بـ2.5 مليار برميل نفط و8.5 تريليون قدم مكعب غاز.
    يتطلب ذلك استثماراً يصل إلى 10 مليارات دولار لإصلاح الآبار والأنابيب، مع التركيز على حقول مثل الـOmar لرفع الإنتاج إلى 25-40 ألف برميل يومياً في غضون 2-4 سنوات.
    من الناحية المتخصصة، يجب تطبيق نماذج محاكاة الخزانات (reservoir simulation) باستخدام برمجيات مثل ECLIPSE لتقليل الاستنزاف البيئي، مستفيدين من تجربة العراق في إعادة تأهيل حقول كركوك.
  2. تعزيز إنتاج الغاز الطبيعي كأولوية لتوليد الكهرباء: مع انخفاض الإنتاج الحالي إلى 7 ملايين متر مكعب يومياً، نوصي بمضاعفة الإنتاج إلى 15 مليون متر مكعب بحلول نهاية 2026 من خلال إعادة تشغيل مصانع الغاز مثل Conoco.
    يتضمن بناء محطات غازية مشتركة (combined-cycle gas turbines) بسعة 4,000 ميغاواط، مع الاستفادة من شراكات مع قطر (مثل UCC Holding) لتمويل 7 مليارات دولار.

كما يجب دمج تقنيات التقاط الكربون (CCS) لتقليل الانبعاثات، مع دراسات جيوفيزيائية لاستكشاف احتياطيات جديدة، مستوحى من نموذج أذربيجان في تصدير الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى تركيا لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

  1. إصلاح البنية التحتية الكهربائية مع التركيز على الاستدامة البيئية: نظراً لانخفاض القدرة الإنتاجية إلى 1.6-2 غيغاواط من 9.5 غيغاواط قبل 2011، نوصي بإنفاق 10 مليارات دولار لإعادة بناء الشبكات الكهربائية، بما في ذلك منحة البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار لمشروع الطوارئ الكهربائي (SEEP).
    كما يجب تكامل الطاقة المتجددة (شمسية ورياح) لتغطية 20% من الاحتياجات بحلول 2030، باستخدام نماذج تحسين الشبكة (grid optimization) مثل HOMER لموازنة الطلب، مع النظر في تأثير الجفاف على السدود مثل سد الفرات، مستفيدين من تجربة الأردن في التحول الطاقي.
  2. تشكيل صندوق سيادي لعائدات الطاقة لضمان التوزيع العادل: لمواجهة الفقر الذي يصيب 90% من السوريين، نرى ضرورة إنشاء صندوق سيادي يدير عائدات النفط والغاز، مع تخصيص 30% للتنمية المحلية في المحافظات الشرقية.
    فمن منظور اقتصادي نرى أهمية تطبيق نماذج الإدارة المالية مثل تلك في صندوق النرويج للنفط، مع دراسات تأثير اقتصادي (economic impact assessments) لقياس العائد على الاستثمار، مع الحرص على تجنب الفساد من خلال رقابة دولية، مستوحى من تجربة ليبيا في إعادة توزيع عائدات النفط بعد النزاعات.
  3. تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية مع الحفاظ على السيادة: يجب توسيع الاتفاقيات مع تركيا لاستيراد الكهرباء (900 ميغاواط) ومع أذربيجان للغاز (1.2 مليار متر مكعب سنوياً)، مع جذب استثمارات خليجية مثل اتفاق UCC بقيمة 7 مليارات دولار. من الناحية السياسية نوصي بإجراء دراسات جيوسياسية لتقييم المخاطر، مع شروط عقودية تحمي السيادة السورية، مستلهماً نموذج تركيا في الطاقة كوسيط إقليمي، لتحويل سورية إلى مركز عبور طاقي.
  4. تطوير الكوادر البشرية والتدريب المتخصص: مع هجرة المهندسين، يوصى ببرامج تدريبية بالشراكة مع منظمات مثل اليونسكو، لتأهيل 5,000 متخصص في مجالات الحفر والإنتاج خلال 3 سنوات.
    كما يجب دمج المناهج الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي في مراقبة الخزانات، مع دراسات تأثير اجتماعي لدمج العائدين، مستوحى من تجربة العراق في إعادة بناء كوادره الطاقية.
  5. دمج الاعتبارات البيئية والمناخية في السياسات الطاقية: فلمواجهة الجفاف، نوصي بإجراء تقييمات بيئية (EIA) لكل مشروع، مع الانتقال إلى الطاقة الخضراء لتقليل الانبعاثات بنسبة 30% بحلول 2030. كما يجب استخدام نماذج المناخ مثل IPCC لتوقع تأثير انخفاض منسوب نهر الفرات.

وفي نهاية المطاف، الطاقة ليست مجرد مورد، بل رمز للإرادة السورية في مواجهة التحديات، نحو مستقبل يجمع بين القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

المراجع:

  1. Al-Dahik, A. (2026, January 20). Syria’s war-ravaged oil sector faces tough road to recovery, analysts say. Al Jazeera.
    https://www.aljazeera.com/economy/2026/1/20/syrias-war-ravaged-oil-sector-faces-tough-road-to-recovery-analysts-say
    (يغطي تقييم الخبراء لإنتاج النفط الحالي ~85–110 ألف برميل/يوم، التحديات الفنية في الحقول، والحاجة إلى استثمارات ضخمة، وهو مصدر رئيسي للأرقام التقريبية في المقال).
  2. Harmoon Center for Contemporary Studies. (2025). Syria’s Energy Challenge: Security and Reconstruction. Damascus.
    https://www.harmoon.org/wp-content/uploads/2025/06/Syrias-Energy-Challenge-Security-and-Reconstruction.pdf
    (دراسة متخصصة سورية-دولية تغطي القدرة الكهربائية الفعلية، إمكانيات الغاز، التأثير البيئي للجفاف على السدود، والحاجة إلى تنويع الطاقة، وهي مرجع أساسي للتحليل الوطني والمستقبلي في المقال).
  3. World Bank. (2025). Syrian Arab Republic: Macro Fiscal Assessment and Pathways to Recovery – 2025 Update. Washington, DC.
    https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/099012025
    (تقرير رسمي يناقش احتياجات إعادة الإعمار في قطاع الطاقة بقيمة تقديرية 10–15 مليار دولار، تأثير العقوبات المرفوعة جزئياً، وآفاق النمو الاقتصادي المرتبط بالطاقة، ويدعم الرؤية الاقتصادية والمستقبلية في المقال).

شاركها على:

اقرأ أيضا

إعادة أعضاء الهيئات التعليمية والفنية ممن فصلوا تعسفياً خلال سنوات الثورة إلى وظائفهم

تيار المستقبل السوري يرحب بإعادة أعضاء الهيئات التعليمية المفصولين تعسفياً إلى وظائفهم كما يمثل خطوة نحو العدالة.

22 يناير 2026

إدارة الموقع

تعميم وزارة الأوقاف السورية يدعو لاعتماد خطاب ديني جامع ينبذ الكراهية

تعميم وزارة الأوقاف السورية يشدد على أهمية خطاب ديني جامع يساهم في نبذ الكراهية وتعزيز الوحدة.

22 يناير 2026

إدارة الموقع