المقدمة:
يبرز رجل المال والأعمال محمد حمشو كمثال حي على تعقيدات المشهد الاقتصادي والسياسي في سورية، حيث ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسد البائد، إذ كان يُعتبر أحد "الأذرع الاقتصادية" لـٍ ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع.
ومع ذلك، في يناير 2026، وبعد عام ونصف من التغييرات، يعود حمشو إلى دمشق ويقوم بتوقيع اتفاق تسوية شامل مع الحكومة الانتقالية.
هذا الاتفاق، شمل حسب المعلن دفع مبلغ يقدر بمليار دولار أمريكي كتسوية، يهدف إلى تنظيم أعماله وتثبيت وضعه القانوني، مع التزامه بالمساهمة في إعادة الإعمار.
السيرة الذاتية:
ولد محمد صابر حمشو في 20 مايو 1966م في دمشق، عاصمة سورية، لعائلة متواضعة.
كان والده موظفاً في وزارة التربية، ولم يكن للعائلة تاريخ في الثراء أو البرجوازية التقليدية.
حصل حمشو على درجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة دمشق في أوائل التسعينيات، وبدأ مسيرته المهنية كمهندس في إحدى المؤسسات الحكومية.
ومع ذلك، لم يكن صعوده السريع نتيجة للمهارات الفنية وحدها، بل لعلاقاته الشخصية.
في منتصف التسعينيات، تحديداً عام 1995م، حيث بدأ حمشو عمله في شركة متخصصة بالحواسيب وأجهزة الاتصالات، يملكها مضر حويجة، ابن اللواء إبراهيم حويجة، والذي كان آنذاك رئيساً لإدارة المخابرات الجوية.
هذه العلاقة التي نشأت أثناء الدراسة الجامعية، فتحت له أبواب المناقصات الحكومية.
وبحلول عام 2005، حصل حمشو على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من المعهد العالي لإدارة الأعمال (HIBA) في دمشق، مما عزز من مكانته كرجل أعمال محترف.
وقد كان أسس عام 1989م، مجموعة حمشو الدولية، التي نمت لتشمل حوالي 20 شركة فرعية أو تابعة، ولتغطي قطاعات مثل الاتصالات، والدعاية والإعلان، والإنتاج الفني، والصناعات المعدنية.
وعلى سبيل المثال، كان وكيلاً لشركة "الثريا" في سورية، وأسس شركة "سورية الدولية للإنتاج الفني"، وموقع "شام برس" الإخباري، بالإضافة إلى شراكته في قناة "الدنيا" التلفزيونية.
كما شغل مناصب رسمية، مثل أمين سر غرفة تجارة دمشق عام 2014، ورئيس مجلس المعادن والصهر عام 2015، ورئيس مجلس رجال الأعمال السوري الصيني عام 2014.
الصعود الاقتصادي وعلاقات السلطة والفرص الاستثمارية:
شهدت مسيرة حمشو تحولاً كبيراً مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011.
فبينما كان يُنظر إليه كرجل أعمال ناجح، إلا أن صعوده الحقيقي جاء من خلال علاقته الوثيقة بماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة.
وكان وفقاً لتقارير الخزانة الأمريكية في أغسطس 2011، يعمل كواجهة لمعاملات مالية غير قانونية لصالح ماهر الأسد، مما سمح له بكسب عقود حكومية كبيرة.
هذا، وفي عام 2012، أصبح عضواً في مجلس الشعب السوري، وانتُخب مرة أخرى في 2016، قبل أن تُسقط عضويته في أكتوبر 2024 بسبب حمله للجنسية التركية، وفقاً لقرار مجلس الشعب السابق.
وسع حمشو استثماراته لتشمل قطاعات حيوية:
1- في الاتصالات، أسس شركة "براق" للاتصالات الأرضية، التي بلغت قيمتها عشرات الملايين من الليرات السورية بحلول 2010.
2- في الصناعات المعدنية، أصبح مالكاً لمصانع حديد وصهر، حيث بلغ إنتاج شركة "سورية ميتال إندستريز" حوالي 500,000 طن سنوياً قبل الثورة.
3ـ دخل أيضاً قطاع الرعاية الصحية بشركة "شام للعناية الطبية"، التي تمتلك 50% من أسهمها بقيمة 5 ملايين ليرة سورية، وفقاً لسجلات التجارة السورية.
وقد اعتمد حمشو على الشراكات مع شخصيات مثل عمار ساعاتي، الذي ساعده في الوصول إلى بشار وماهر الأسد.
وبحلول 2015، كان حمشو يسيطر على حوالي 10% من سوق المعادن في سورية، مستفيداً من الخراب الناتج عن الحرب.
الدور في النظام البائد والدعم المالي والعقوبات الدولية:
كان حمشو أحد أبرز ممولي النظام البائد خلال الثورة (2011-2024).
ووفقاً لتقرير الخزانة الأمريكية في أغسطس 2011، فقد فرضت عليه عقوبات لأنه "يوفر خدمات دعم للنظام"، وكان يُعتبر "تاجر حروب".
وقد فرض في يونيو 2011 الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه وعلى أفراد عائلته (زوجته رانيا الدباس، وأبنائه أحمد، عمر، علي، سمية)، معتبراً إياه "رجل أعمال رائد يدعم النظام".
كما أدرج في قائمة "قانون قيصر" الأمريكي في يونيو 2020، الذي يستهدف 39 شخصية سورية، بما في ذلك الأسد نفسه.
وتشمل الاتهامات غسيل الأموال، حيث كان يتعاون مع صهره رسلان الخياط لتجنب العقوبات.
كما تورط في "لجان التعدين"، حيث كانت شركاته تشتري خردة المباني المهدمة من قصف النظام، بقيمة تقدر بملايين الدولارات سنوياً.
هذا وفي ديسمبر 2024، اكتشف مصنع لتصنيع الكوكايين في قصره، مرتبط بتجارة الكبتاغون، التي بلغ حجمها العالمي 57 مليار دولار في 2023، وفقاً لتقارير أممية.
كما أسس شركة حراسات أمنية لحماية شحنات المخدرات، مما جعله هدفاً للعقوبات البريطانية في يناير 2015.
ما بعد سقوط النظام من العودة إلى التسوية:
مع سقوط الأسد في ديسمبر 2024، فرّ حمشو إلى بيروت، لكنه عاد في يناير 2025 بعد تسوية مع الحكومة الانتقالية.
وقد شمل الاتفاق، الموقع في مارس 2025 دفع مليار دولار كفدية، مقابل رفع الحجز عن أمواله (الذي فرض في نوفمبر 2024)، وإعادة اندماجه في الاقتصاد.
هذا ويلتزم حمشو بمساهمة في إعادة الإعمار، حيث بلغت المساعدات الأوروبية 2.5 مليار يورو للفترة 2025-2026، وفقاً لاتفاقات رفع العقوبات.
خاتمة:
يُمثل حمشو التناقض في سورية ما بعد الأسد:
من جهة، يحتاج البلد إلى رؤوس أموال لإعادة الإعمار، حيث بلغت الأضرار 400 مليار دولار وفقاً لتقديرات البنك الدولي في 2024.
ومن جهة أخرى، يهدد اندماج رجال الأعمال السابقين بالعودة إلى الطائفية والفساد.
هذا، وفي سياق زيارات أوروبية ومحادثات مع إسرائيل في 2025، نهايةً باجتماع باريس يناير 2026، يجب أن يشمل الحوار الوطني عدالة انتقالية، بمن فيهم محمد حمشو وأمثاله، مروراً بسورية العهد الجديد من مرحلة الاستبداد إلى الأمل الحذر.
ومع 2026م، يبدو أن العهد الجديد اختارت بناء الاستقرار على طريق العدالة، من خلال خلق تسويات مصلحية تعود بنفعها على الصالح العام وتدير عجلة التنمية وإعادة الإعمار.
إن الشعب السوري، الذي تعب من الحروب، يستحق دولة حقيقية، وفي ضوء البيان الصادر عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والذي يؤكد أن التسويات الاقتصادية لا تعفي مرتكبي الجرائم من المحاسبة ولا تمنح حصانة قانونية دائمة،
فإننا في تيار المستقبل السوري نوصي بما يلي:
1- تعزيز استقلالية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من خلال آليات رقابية دولية وشعبية.
2- إجراء تحقيقات قضائية شفافة ومستقلة تجاه حمشو وأمثاله لضمان عدم إفلاتهم من العقاب، ولعدم إفشال مسار التسويات المصلحية بنفس الدرجة.
3- تخصيص الأموال المستردة لصناديق تعويض الضحايا وإعادة الإعمار، وتشجيع الحوار الوطني لصياغة قوانين تمنع تدوير رموز النظام البائد دون محاسبة حقيقية، مما يعزز الثقة في المرحلة الانتقالية ويمنع تكرار أخطاء الماضي.
ويبقى السؤال: هل سيكون حمشو جزءاً من الحل أم أحد عناوين العودة إلى الماضي؟
ولعل الإجابة تعتمد على قوة المؤسسات الجديدة من جهة، وعلى يقظة الشعب السوري الذي أثبت أنه على اطلاع كبير ومتابعة حثيثة لكل الجزئيات والكليات في إطار بناء سورية المستقبل والمستقبل السوري.