لم تكن الإشارات المتداولة حول نية أو “بادرة” اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو التلويح بها، حدثًا معزولًا عن سياق أوسع في السياسة الدولية، بل جاءت ضمن نمطٍ خطيرٍ في إدارة العلاقات بين الدول، نمطٌ ارتبط في الذاكرة السياسية الحديثة بعقلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائمة على مبدأ الإذلال بدل الاحتواء، والتهديد بدل الدبلوماسية، والاستعراض بدل المؤسسات.
لقد مثّلت تجربة ترامب في تعاطيه مع رؤساء دول العالم نموذجًا فجًّا لهذا النهج.
ولعلّ ما جرى مع رئيس أوكرانيا مثالٌ صارخ، حيث تحوّل الخطاب الرئاسي الأمريكي من لغة السياسة إلى لغة السخرية والتهديد الشخصي، في سابقةٍ لم تشهدها الأعراف الدولية الحديثة.
لم يكن الهدف إدارة أزمة، بل كسر صورة، وإرسال رسالة مفادها أن ميزان القوة يبرر كل شيء، حتى انتهاك كرامة الدول ورموزها.
وفي الحالة الفنزويلية تحديدًا، لا يمكن فصل التلويح باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو عن النظرة الترامبية البحتة لفنزويلا بوصفها سوقًا مفتوحة وثروة معطّلة أكثر من كونها دولة ذات سيادة.
ففنزويلا، بما تملكه من أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، إضافةً إلى ثروات الغاز والمعادن النادرة، لطالما كانت في نظر ترامب ورجال دائرته الضيقة فرصة اقتصادية مهدورة يجب “تحريرها” بالقوة السياسية، لا عبر التفاهمات الدولية أو احترام إرادة الشعوب.
وضمن هذه العقلية، لا يُنظر إلى تغيير القيادة في فنزويلا باعتباره مسارًا ديمقراطيًا أو انتقالًا سياديًا، بل باعتباره إعادة هيكلة للسوق، تُنتج في نهايتها رئيسًا أو رئيسةً أكثر طواعية، وأقرب إلى تنفيذ ما تريده واشنطن من سياسات نفطية واقتصادية وجيوسياسية.
وقد جرى، في أكثر من مرحلة، الترويج لبدائل سياسية جاهزة، بينها شخصيات نسائية جرى تسويقها دوليًا كـ “خيار شرعي”، لا بوصفها تعبيرًا عن توافق وطني فنزويلي، بل كأداة انتقال تُعيد ربط كاراكاس مباشرةً بالإرادة الأمريكية.
إن هذا النموذج، القائم على استبدال رئيس “متمرّد” برئيس “منفّذ”، لا يهدف إلى إصلاح الدولة الفنزويلية، بل إلى إعادة إدماجها القسري في منظومة المصالح الأمريكية، خصوصًا في قطاع الطاقة، بما يخدم الشركات الكبرى ويعيد رسم خريطة النفوذ في أمريكا اللاتينية.
وهو ما يؤكد أن المسألة ليست مسألة قيم أو ديمقراطية، بل مسألة نفط، وأسواق، وولاء سياسي.
إن عقلية ترامب لم تكن عقلية دولة عظمى بمؤسساتها وتقاليدها، بل عقلية “صفقة” يقودها رجل أعمال يرى العالم طاولة مساومات، ويرى رؤساء الدول خصومًا في مزاد، لا شركاء في نظام دولي.
وهي عقلية تُضعف الاستقرار الدولي بدل تعزيزه، وتُراكم الأحقاد بدل حل النزاعات، وتدفع الأنظمة المحاصَرة إلى مزيد من التصلّب لا إلى التراجع.
إن اعتقال رئيس دولة، مهما كانت طبيعة نظامه، لا يُسقط الأنظمة، بل يُسقط ما تبقّى من هيبة القانون الدولي، ويُدخل العالم في منطق الغابة السياسية، حيث تُدار العلاقات بمنطق القوة العارية لا بمنطق الشرعية.
ومن هذا المنطلق، فإننا في تيار سياسي وطني نحذّر بوضوح من مغبة استمراء أي قيادة سورية السير في طريق استنساخ عقلية ترامب في إدارة السياسة الخارجية أو الداخلية.
فالدولة الخارجة من صراع طويل لا تُبنى بالاستقواء والاستعراض، ولا تُدار بمنطق كسر الخصوم وإذلالهم، ولا تُستعاد هيبتها بتقليد أسوأ ما في التجربة الدولية.
وإن تقمّص هذا النموذج، مهما بدا مغريًا على المدى القصير، يزرع على المدى البعيد عزلة دولية، وتوترات داخلية كامنة، وفقدانًا تدريجيًا للثقة بين الدولة ومحيطها.
إن ما تحتاجه سورية اليوم هو عقلية دولة لا عقلية زعيم، وسياسة احتواء لا سياسة تصفية، وشرعية أخلاقية وقانونية لا شرعية القوة فقط.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي اختارت طريق الإذلال انتهت إلى التفكك، بينما الدول التي اختارت طريق الحكمة، حتى في أقسى الظروف، استطاعت تثبيت أقدامها واستعادة دورها.
وإن التحذير من استنساخ عقلية ترامب ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل قراءة واقعية لمسار سياسي أثبت فشله أخلاقيًا واستراتيجيًا.
نحن لا نحتاج إلى “ترامب جديد” في منطقتنا، بل إلى رجال دولة يعرفون أن الكرامة السياسية ليست ضعفًا، وأن القوة الحقيقية هي القدرة على بناء الاستقرار لا التفاخر بكسر الآخرين.
وفي هذا السياق، نُضيف تحذيرًا بالغ الأهمية يتمثّل في ضرورة أن يُدرك العهد الجديد في سورية الفارق الجوهري بين الدولة الأمريكية بوصفها منظومة مؤسسات، وبين شخص دونالد ترامب ودائرته الضيقة بوصفهم حالة سياسية عابرة، ذات طابع شخصي، انفعالي، ومصلحي.
إن نسج العلاقة مع الولايات المتحدة عبر الأشخاص لا عبر المؤسسات هو خطأ استراتيجي قاتل، أثبت التاريخ القريب نتائجه الكارثية على دول وأنظمة راهنت على الزعيم بدل الإدارة، وعلى الخطاب بدل القانون، وعلى الصفقات بدل الاستراتيجيات.
فالإدارة الأمريكية، بمؤسساتها العميقة، وتوازناتها الداخلية، وآليات الرقابة فيها، هي صمام الأمان الحقيقي لأي نجاح سياسي أو دبلوماسي ممكن، وهي الضامن الوحيد لاستمرارية العلاقات وعدم ارتهانها لتقلّبات المزاج الانتخابي أو الشخصي.
أما الرهان على ترامب ودائرته، فهو رهان على نزعة انتقامية لا دبلوماسية، ومنطق صفقة لا منطق دولة، ومزاج شخصي لا التزام مؤسسي.
وهو ما يجعل أي علاقة تُبنى على هذا الأساس هشّة، مؤقتة، وقابلة للانقلاب في أي لحظة.
إن سورية الجديدة، إذا أرادت تثبيت موقعها الدولي، مطالَبة بأن تتعامل مع واشنطن كدولة مؤسسات، لا كساحة مزايدات سياسية، وأن تحمي مسارها الوطني من الارتهان لشخصيات مثيرة للانقسام داخل أمريكا نفسها، فضلًا عن الخارج.
فالعلاقات الدولية الرصينة لا تُبنى مع الأشخاص، بل مع الدول.
ولا تُحمى بالصور والوعود، بل بالقانون والمصالح المتبادلة والمؤسسات.