نقل سجون داعش إلى دمشق

برزت سجون احتجاز عناصر تنظيم "داعش" في شمال شرق البلاد كعنصر حاسم في ديناميكيات السلطة والتفاوض.
فمنذ سقوط آخر معاقل التنظيم في الباغوز عام 2019، أدارت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هذه المرافق، التي تضم آلاف المقاتلين الأجانب والمحليين وعائلاتهم، مستفيدة منها كورقة ضغط دولية وإقليمية.
ومع ذلك، أدى تصعيد عسكري سريع في يناير 2026 إلى اتفاق وقف إطلاق نار في 18 يناير بين قسد والحكومة السورية، حيث نص على نقل الإشراف الكامل على هذه السجون والمخيمات، بما في ذلك مخيم الهول، إلى دمشق.
هذا الاتفاق، الذي يعكس تحولاً في موازين القوى، سرعان ما واجه تحديات تنفيذية، مع تقارير عن اشتباكات متفرقة وهروب سجناء، مما يبرز هشاشة الاستقرار في المنطقة.

تاريخياً، شكلت هذه السجون –مثل غويران والشدادي– والمخيمات –كالهول والروج– محوراً لاستراتيجية قسد في تعزيز نفوذها.
فقد حوَّلت قسد وتحت غطاء الدعم الأمريكي ضمن التحالف الدولي ضد "داعش"، هذه المرافق إلى أداة متعددة الأبعاد للتفاوض.
فعلى المستوى الدولي، استخدمتها للضغط المالي والقانوني على الدول الغربية، رافضة إعادة مواطنيها دون مساعدات مالية كبيرة، كما في عام 2024 حيث طالبت بملايين الدولارات لإدارة المرافق.
وتفاقم هذا النهج بعد هجوم غويران في 2022، الذي أسفر عن هروب مئات المحتجزين ومقتل أكثر من 500 شخص، مما دفع الولايات المتحدة إلى تقديم دعم مستمر، بينما لم تتجاوز نسبة إعادة المواطنين الأجانب 15% حتى نهاية 2025.

أما إقليمياً، فقد كانت السجون درعاً ضد الضغوط التركية، حيث شنت أنقرة عمليات عسكرية متكررة ضد مناطق قسد منذ 2018، مثل "نبع السلام" في 2019، حيث هددت قسد بإطلاق سراح المحتجزين في حال هجوم واسع، مستغلة مخاوف المنطقة من عودة "داعش".
كما أقامت تنسيقاً أمنياً مع العراق، الذي نقل آلاف العراقيين من المخيمات في 2025، مما أدى إلى آلية مشتركة مع التحالف الدولي لتسريع الإعادة.

أما محلياً، فقد استخدمت قسد الملف كرأس مال تفاوضي مع دمشق، سواء في عهد النظام السابق أو الانتقالي الحالي.
وخلال جولات 2023 و2025، وعبر وساطة روسية وأمريكية، عرضت الملف مقابل الاعتراف بحكمها الذاتي، مما جعلها "وكيلاً أمنياً" أساسياً، لكنه أثار مخاوف من انهيار أمني، خاصة مع هجمات "داعش" المتكررة في 2025 التي أودت بحياة عشرات في مناطق قسد.

جاء اتفاق 18 يناير 2026 كذروة لتصعيد عسكري، حيث سيطرت القوات الحكومية على الرقة ودير الزور بعد اشتباكات أسفرت عن عشرات الضحايا. يتضمن الاتفاق 14 بنداً رئيسياً، أبرزها نقل الإشراف على السجون والمخيمات إلى الحكومة السورية، مع دمج الإدارة والقوات في الهيكل الحكومي، ودمج قوات قسد في الجيش السوري ووزارة الداخلية بعد فحص أمني، مع منح رتب وحقوق مالية.
كما يمثل هذا تحولاً براغماتياً يعزز دور الدولة المركزية في مكافحة الإرهاب، محولاً قسد من "وكيل مستقل" إلى شريك تحت المظلة السورية.

وأيضا، يوحد الإطار القانوني، لتنقل المحتجزين من "احتجاز فصائلي" إلى "موقوفين بموجب القانون السوري"، مما يفتح الباب لمحاكمات رسمية ويقلل مخاطر الهجمات.

ومع ذلك، سرعان ما أظهر الاتفاق هشاشته.
ففي 19 يناير، اندلعت اشتباكات حول سجون رئيسية مثل الشدادي والأقطان، مع تقارير عن إفراج قسد عن عدد من سجناء "داعش" وعائلاتهم، وهروب مئات آخرين أثناء الاشتباكات.
واتهمت وزارة الداخلية السورية قسد بـ"انتهاك أمني خطير" يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، بينما سحبت قسد قواتها من مخيم الهول شرق الحسكة دون تنسيق، مما دفع الجيش السوري إلى الإعلان عن جاهزيته للسيطرة عليه ورفض استخدام المحتجزين كورقة سياسية.

هذا وقد أشارت تقارير إلى تولي التحالف الدولي بقيادة أمريكية الإشراف المؤقت على الهول، بعد سحب مسؤوليات قسد الأمنية، مما يعكس تدخلاً دولياً لتجنب حدوث أي فراغ أمني.

دولياً، يعكس الاتفاق دعماً أمريكياً ضمنياً، رغم عدم إصدار تحفظات رسمية، معتبراً أن مخاطر الانهيار الأمني السابق تفوق المخاطر السياسية للتعاون مع دمشق.
كما أبدت تركيا والعراق ارتياحاً، إذ يعيد الاتفاق ترتيب الأمن ضمن إطار الدولة، محدداً نفوذ الفصائل غير الحكومية، ويشير إلى ثقة متزايدة في كفاءة الأجهزة السورية، خاصة مع التزام دمشق بالتنسيق مع التحالف.

ختاماً، يمثل هذا الاتفاق نقطة تحول في مسار سورية نحو الوحدة والاستقرار، رغم التحديات التنفيذية الراهنة مثل الهروب الأمني والاشتباكات.

ونرى في تيار المستقبل السوري أنه ولنجاحه، يتطلب:

  1. من الجهات الدولية: تعزيز دعم "وحدة مراقبة قضائية مستقلة" تابعة للأمم المتحدة للرقابة على المحاكمات والمعاملة، مع تنسيق مع التحالف لمكافحة "داعش"، وتمويل جهود الحكومة الانتقالية لتجاوز البعد الوطني.
  2. من الحكومة السورية: إصدار مرسوم تشريعي خاص لإجراءات المحاكمة، مع ضمانات شفافية وامتثال دولي، إلى جانب برامج تأهيل للمحتجزين الأقل خطراً، مستفيدة من تجارب سابقة.
  3. من التحالف الدولي: تقديم مساعدة تقنية ولوجستية لتأمين النقل، مع التركيز على منع الانهيار الأمني خلال المرحلة الانتقالية.
  4. من البحث الأكاديمي والإعلامي: توثيق العملية كدراسة حالة لانتقال الأمن من الفصائل إلى الدولة، مركزاً على الآثار الإنسانية والجيوسياسية طويلة الأمد، إذ تمثل التجربة السورية نموذجاً للنزاعات المشابهة.
    فجيلنا سيكون شاهداً على بناء بلده من الأساس لبنة لبنة، مما سيجعل التجربة السورية تجربة إنسانية لن يطول الزمن حتى نراها تُدرس بحقلَي العلوم والفلسفة السياسية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تدمير سينما الأندلس بالقنيطرة وقصف الأراضي الزراعية جنوبي الرفيد

تدمير سينما الأندلس بالقنيطرة انتهاك للتراث الثقافي والاقتصادي السوري، ولقصف الأراضي الزراعية تداعيات مؤلمة.

21 يناير 2026

إدارة الموقع

التحذير من العبث بالمقابر الجماعية شمال شرقي سورية

تيار المستقبل السوري يدعم التحذير بعدم العبث بمواقع المقابر الجماعية لحماية سير العدالة والمصالحة الوطنية.

21 يناير 2026

إدارة الموقع