تشكيل مجلس تمثيل الطائفة الشيعية في سورية

أعلن عبد الله نظام – رئيس الهيئة العلمائية الإسلامية لأتباع مذهب آل البيت – عن تشكيل «مجلس تمثيل الطائفة الشيعية» حيث يضم 35 عضواً من رجال دين وشخصيات اجتماعية وثقافية شيعية، برئاسة مشتركة تضم المهندس عباس الحامض والشيخ علي الزين والدكتور فايز صندوق، وأمانة سر للمحامي محمد زكي النوري.
جاء الإعلان بعد أقل من ثلاثة أسابيع من قرار وزارة المالية السورية في 6-7 كانون الثاني/يناير 2026 بفرض حجز احتياطي مشدد على أموال عبد الله نظام وعائلته بقيمة مخالفات مالية تقدر بـ476 مليون دولار أمريكي، مرتبطة بتهم غسل أموال وكسب غير مشروع، وبتشابك اقتصادي موثق مع أذرع إيرانية داخل سورية.
يفتح هذا التزامن البابَ أمام قراءة نقدية متعددة الطبقات للحدث:
هل هو خطوة بريئة لتنظيم شؤون مكون طائفي مهمش تاريخياً؟
أم محاولة شخصية لإعادة تعويم نفوذ عبد الله نظام بعد تلك الضربة المالية القاصمة؟
أم أنه – في أسوأ السيناريوهات – بوابة محتملة لإعادة نفوذ إيراني ديني-طائفي عبر «حصان طروادة» جديد؟

التواجد الشيعي في سورية.. جذور تاريخية وتحولات حادة:

يعود وجود الشيعة الإثنا عشرية في سورية إلى القرن العاشر الميلادي، حين انتقل بعض أتباع المذهب من العراق إلى الشام هرباً من الاضطهاد العباسي والسلجوقي.
وتعرضوا تحت الحكم العثماني (1516–1918) للتهميش والاضطهاد المنهجي كـ«رافضة»، مما دفعهم إلى ممارسة التقية في مناطق مثل جبل عامل (جنوب لبنان الحالي) ومناطق شمال غرب سورية (الفوعة، كفريا، نبل، الزهراء).

هذا وحصلوا في عهد الانتداب الفرنسي (1920–1946) على بعض الحماية النسبية، لكنهم ظلوا أقلية صغيرة (تقديرات ما قبل 2011 تتراوح بين 1–2% من السكان، أي نحو 200–400 ألف نسمة)، مركزين في مناطق محدودة ويعتمدون اقتصادياً على التجارة والزراعة.

ومع صعود حزب البعث (1963) ثم حكم حافظ الأسد (1970–2000)، حظي الشيعة بدعم محدود ضمن سياسة «التوازن الطائفي» التي اعتمدتها العائلة الحاكمة.
فبعد عام 2000، ومع تصاعد التحالف الاستراتيجي مع إيران، بدأت طهران تستثمر في بناء مراكز ثقافية ودينية (مثل حسينية السيدة زينب)، وفي توسيع نفوذها الاقتصادي عبر شخصيات مثل عبد الله نظام الذي أصبح منذ 2009 رمزاً للارتباط الإيراني-الشيعي في دمشق.
قلب اندلاع الثورة في آذار/مارس 2011 الموازين.
وكان تدخل إيران العسكري المباشر في صيف 2012–2013 (بعد معركة القصير) أن حوّل الشيعة السوريين إلى هدف استراتيجي للمعارضة المسلحة، مما أدى إلى حصار الفوعة وكفريا (2015–2018)، وتهجير جماعي.

وبعد 2018، أصبحت مناطق مثل السيدة زينب ودمشق مركزاً للمليشيات الشيعية الأجنبية (فاطميون، زينبيون، حزب الله)، وتحولت إلى قواعد لوجستية إيرانية، مما زاد من الاستقطاب الطائفي.

ترك سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم انسحاب إيران السريع في 6 كانون الأول/ديسمبر 2024 (قطع الطريق البري إلى حزب الله).. ترك الشيعة السوريين في فراغ أمني واجتماعي كبير، حيث آلاف من العلويين والشيعة فروا إلى لبنان، وأصبحت الطائفة بحاجة ماسة إلى تمثيل جديد بعيداً عن الارتباط الإيراني السابق.

علاقة الشيعة بالحكومة الانتقالية:

منذ تولي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) قيادة المرحلة الانتقالية، سعى إلى طمأنة الأقليات عبر تصريحات متكررة (22 كانون الأول/ديسمبر 2024: «عصر جديد بعيداً عن الطائفية»).
لكن يظل الشيعة يواجهون تحدياً مزدوجاً:
1- مخاوف من انتقام سني بسبب الدعم السابق للأسد.
2- فقدان الراعي الإيراني الذي كان يوفر لهم الحماية والتمويل.
في هذا السياق جاء إعلان المجلس كمحاولة لملء الفراغ المؤسسي، لكنه أثار جدلاً فورياً بسبب الشخصية المركزية لعبد الله نظام، الذي يواجه حجزاً مالياً واسعاً واتهامات بغسل أموال مرتبطة بصفقات إيرانية.

قراءة نقدية للبيان.. الإيجابيات والسلبيات والتحديات:

1- الإيجابيات المحتملة:

  • يمكن أن يشكل المجلس آلية تواصل رسمية بين الطائفة والحكومة، مما يساعد في منع التهميش وتسهيل عودة اللاجئين الشيعة.
  • التأكيد المتكرر في البيان على «السلم الأهلي» و«وحدة سورية» يمكن أن يُقرأ كمحاولة للانفكاك عن الماضي الإيراني.
  • في مرحلة انتقالية تفتقر إلى مؤسسات تمثيلية شاملة، قد يساعد وجود مجلس طائفي مؤقت في تهدئة التوترات المجتمعية.

2- السلبيات والمخاطر:

  • التوقيت المباشر بعد الحجز المالي (أقل من 23 يوماً) يجعل الإعلان يبدو كمحاولة شخصية لإعادة تعويم عبد الله نظام، وإعطائه حصانة طائفية نسبية تحول دون الملاحقة القانونية الكاملة.
  • تكريس آلية تمثيل طائفية مستقلة يتعارض مع التوجه الرسمي نحو دولة مدنية موحدة، وقد يعيد إنتاج نموذج «المكونات» الذي أثبت فشله في العراق بعد 2003.
  • وجود شخصيات مرتبطة تاريخياً بإيران (نظام نفسه، وبعض الأعضاء الآخرين) يثير مخاوف من أن يكون المجلس قناة لإعادة نفوذ ديني-طائفي إيراني خفي.

3- التحديات الجيوسياسية:

  • إيران، بعد خسارتها الطريق البري إلى لبنان، تبحث عن أي منفذ للحفاظ على نفوذها الثقافي والديني في سورية (مزارات، مراكز ثقافية، شبكات اقتصادية).
  • الحكومة الانتقالية تواجه ضغطاً داخلياً لمحاسبة رموز النظام البائد والارتباط الإيراني، وفي الوقت نفسه ضغطاً خارجياً (من دول الخليج وأمريكا) لقطع أي جسور مع طهران.
  • أي تصعيد ضد المجلس قد يُفسر طائفياً، مما يعرض السلم الأهلي للخطر في مرحلة هشة.

خاتمة:

من خلال ماسبق، فإننا في تيار المستقبل السوري نوصي بما يأتي:
للحكومة الانتقالية:

  1. إجراء دراسة أمنية شفافة وسريعة في خلفية المجلس وتمويله، مع نشر نتائج جزئية علنية لتهدئة الرأي العام.
  2. رفض الاعتراف الرسمي بالمجلس كممثل وحيد للطائفة، ودعوة الشيعة للمشاركة في آليات وطنية مشتركة (مجلس شورى انتقالي، لجان مصالحة محلية).
  3. تسريع محاسبة الملفات المالية المرتبطة بإيران دون تسييس طائفي، مع ضمان حماية المواطنين الشيعة العاديين.

للطائفة الشيعية السورية:

  1. فصل التمثيل الاجتماعي والثقافي عن الشخصيات المثيرة للجدل، واختيار قيادات جديدة غير مرتبطة بالماضي الإيراني.
  2. التركيز على قضايا مشتركة (إعادة الإعمار، عودة المهجرين، حقوق المواطنة) بدلاً من الخطاب الطائفي المنفصل.

للمجلس نفسه:

  1. نشر بيان شفاف عن مصادر التمويل والأعضاء الكاملين، مع إعلان رفض صريح لأي تدخل خارجي.
  2. تحويل دوره إلى لجنة استشارية مؤقتة لقضايا السكن والعودة، بدلاً من هيكل تمثيلي دائم.

وفي النهاية، يقف المجلس عند مفترق طرق جيوسياسي حاسم.
فإما أن يكون – كما يخشى كثيرون – حصان طروادة جديداً لإيران، يستغل الفراغ الانتقالي لإعادة بناء شبكات دينية وثقافية طائفية، ويعيد تدوير نفوذ عبد الله نظام كواجهة محلية.
أو أن يتحول – في أفضل السيناريوهات – إلى فتح صفحة جديدة، يسحب فيها الشيعة السوريون أنفسهم تدريجياً من محور طهران، ويندمجون في مشروع وطني مدني موحد، محولين التمثيل الطائفي إلى أداة انتقالية للحماية لا للانفصال.

لعل الأسابيع والأشهر القادمة ستكشف أي الطريقين سيسلكه المجلس، لكن التاريخ السوري الحديث يعلمنا أن الرهان على الطائفية كآلية بقاء غالباً ما ينتهي بتعميق الجراح بدلاً من التئامها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قراءة في ملامح الاستقرار الهش وتحديات بناء الدولة السورية

قراءة في ملامح الاستقرار الهش وتحديات بناء الدولة السورية من خلال تحليل الوضع الراهن.

21 فبراير 2026

إدارة الموقع

قرار الحكومة الكندية رفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سورية

قرار الحكومة الكندية برفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سورية ودلالاته الإيجابية على الشعب.

21 فبراير 2026

إدارة الموقع