المقدمة:
تبرز قضايا الحماية الاجتماعية كأولوية قصوى لإعادة بناء المجتمع.
ويأتي هذا المقال ليستعرض حادثة محددة وقعت في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي في يناير 2026، حيث تم اعتقال رجل وزوجته بتهمة تعنيف وتعذيب طفلته إيليف حزاني، ما أدى إلى إصابات جسدية خطيرة مثل النزيف من الأنف. تعكس هذه الحادثة نمطاً أوسع من العنف الأسري الذي تفاقم بفعل الصراع المسلح الذي دام أكثر من 14 عاماً.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل أكاديمي بحثي لهذه الحادثة، مستنداً إلى إطار نظري يجمع بين علم النفس الاجتماعي، والقانون الدولي لحقوق الطفل، والدراسات الاجتماعية حول النزاعات.
كما سنركز على أسباب العنف الأسري، وآثاره على الأطفال، وتوصيات عملية للتوعية الأسرية، مع مخاطبة السلطة السورية الجديدة (الحكومة الانتقالية) والقوى المدنية لتعزيز آليات الحماية.
ويعتمد التحليل على بيانات من تقارير منظمات دولية مثل اليونيسف والأمم المتحدة، بالإضافة إلى دراسات حديثة عن سورية ما بعد 2024.
هذا ويعاني في سورية أكثر من 7.5 مليون طفل من الاحتياجات الإنسانية، بما في ذلك الحماية من العنف، وفقاً لتقرير اليونيسف لعام 2025.
حيث تؤكد هذه الأرقام أن العنف الأسري ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر، والنزوح، والتفكك الأسري الناتج عن الصراع.
ومن خلال دراسة هذه الحادثة، نسعى إلى اقتراح استراتيجيات توعوية تساهم في بناء أسر أكثر أماناً، ودعوة السلطات لإصلاحات قانونية ومؤسسية.
الخلفية التاريخية والاجتماعية للعنف الأسري في سورية:
لقد أدى الصراع السوري، الذي بدأ في 2011 بسبب اسبتداد الأسد، إلى تدمير النسيج الاجتماعي، مما أدى إلى زيادة حالات العنف الأسري.
وقبل سقوط النظام البائد في 2024، سجلت منظمة مراقبة حقوق الإنسان في سورية (SNHR) آلاف الانتهاكات ضد النساء والأطفال، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والعنف الجنسي.
ثم بعد التحول، في عام 2025، أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال، مع التحقق من 3343 انتهاكاً بين أكتوبر 2022 وديسمبر 2024، بما في ذلك التجنيد والعنف.
ففي إدلب، المنطقة التي شهدت الحادثة، يعاني السكان من آثار النزوح الجماعي.
إذ وفقاً لتقرير اليونيسف، أدى العنف المحلي في 2025 إلى نزوح أكثر من مليون شخص، مما زاد من الضغوط الاقتصادية على الأسر.
يُفسر هذا السياق انتشار العنف الأسري، حيث يلجأ الآباء إلى الضرب كوسيلة للتعامل مع الإحباط. كما نُشرت دراسة في مجلة World Development عام 2025 والتي أشارت إلى أن 18% من النساء السوريات اللاجئات في الأردن تعرضن للعنف الجسدي من أزواجهن، وهو معدل يعكس الواقع داخل سورية.
هذا ويشمل العنف الأسري أشكالاً متعددة: جسدي، ونفسي، وجنسي، واقتصادي. حيث يرتبط في سورية بالعوامل الثقافية مثل الزواج المبكر والتعدد الزوجي، كما في حالة إيليف التي تعرضت للتعذيب من زوجة أبيها.
وهنا يؤكد تقرير UNFPA لعام 2025 أن العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) يحدث في المنازل بنسبة عالية، مع تأثير خاص على الأطفال.
كما أن الفقر المدقع، حيث يعاني 70% من الأطفال من نقص الغذاء، يزيد من التوترات الأسرية.
ومن الناحية القانونية، كانت قوانين النظام البائد غير كافية لحماية الأطفال.
وبعد 2024، أعلنت الحكومة الانتقالية عن إصلاحات، بما في ذلك تعزيز نظام حماية الطفل، كما ورد في تقرير SNHR لعام 2025.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات، مثل عدم وجود إطار قانوني موحد للتبني والرعاية البديلة.
هذا وتبقى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (CRC)، التي وقعت عليها سورية في 1993، تتطلب حماية الأطفال من جميع أشكال العنف، لكن التنفيذ ضعيف.
تحليل الحادثة في إدلب.. أسباب وآثار:
تكشف الحادثة في سرمدا عن ديناميكيات أسرية معقدة.
الأب (أ.ح) اعترف بضرب الطفلة على وجهها، بينما زوجته (ر.ب) اعترفت بالتعذيب بتوجيه منه. هذا يعكس نمط "زوجة الأب" الذي يؤدي إلى إساءة معاملة أطفال الزوجة الأولى، كما وثقته دراسات في مناطق النزاع.
كما قدمت الأم البيولوجية (سلام حزاني) أدلة رقمية، مما يبرز دور التكنولوجيا في التبليغ.
وتشمل الأسباب الرئيسية :
- العوامل النفسية: الصراع أدى إلى اضطرابات نفسية لدى البالغين، مثل الاكتئاب والغضب المكبوت
حيث يشير تقرير اليونيسف إلى أن 50,000 طفل تلقوا دعماً نفسياً في 2025، لكن البالغين غالباً ما يفتقرون إليه. - الاقتصادية: يعاني في إدلب السكان من البطالة، مما يزيد الضغط.
حيث يربط تقرير UNFPA بين الفقر والعنف الرقمي والجسدي ضد النساء والأطفال. - الثقافية: المعايير التقليدية تبرر الضرب كـ"تأديب"، رغم تحريمه في الإسلام والقوانين الدولية.
هذا وتشمل الآثار على الطفلة إيليف إصابات جسدية فورية، وآثار نفسية طويلة الأمد مثل القلق والاكتئاب. كما تُظهر عدة دراسات أن الأطفال المعرضين للعنف الأسري أكثر عرضة للعنف في المستقبل، مما يديم الدورة.
وعلى المستوى المجتمعي، تؤدي مثل هذه الحوادث إلى تآكل الثقة في المؤسسات، خاصة في مرحلة انتقالية.
وفي مقارنة بحوادث أخرى، مثل تلك الموثقة في تقرير HRW عن الأطفال في المخيمات، حيث يتعرضون للعنف من قبل حراس أو أقارب، تبرز الحاجة إلى تدخلات شاملة.
فقد سجلت في 2025 الـ OHCHR زيادة في العنف ضد النساء والأطفال أثناء التحول السياسي وسقوط الأسد. التوصيات التوعوية:
نقترح في مكتب شؤون الأسرة لـ تيار المستقبل السوري بالتوصيات الآتية:
1- التوعية الأسرية:
يجب أن تكون التوعية أساسية لكسر دورة العنف. حيث نقترح برامج تعليمية في المدارس والمساجد حول حقوق الطفل، مستندة إلى اتفاقية CRC.
على سبيل المثال: حملات إعلامية تشجع على التواصل الإيجابي داخل الأسر، مثل "الأسرة الآمنة" التي يمكن تنفيذها بالتعاون مع اليونيسف. كما يمكن للآباء تعلم تقنيات التربية الإيجابية، مثل الثناء بدلاً من العقاب الجسدي، كما أظهرت دراسات في لبنان للاجئين السوريين.
كما يجب دعم النساء، خاصة زوجات الآباء، من خلال مجموعات دعم نفسي للتعامل مع الغيرة والضغوط.
وفي إدلب، يمكن للمنظمات المحلية تنظيم ورش عمل حول التربية المشتركة في الأسر المختلطة.
2- السلطة السورية:
حيث ندعو الحكومة الانتقالية إلى:
أ. إصلاح القوانين: تبني قانون شامل لحماية الطفل يعاقب العنف الأسري بشدة، مع إنشاء محاكم متخصصة.
كما نؤيد ما اقترحه تقرير SJAC من وقف تجنيد الأطفال وتوسيع الحماية.
ب. تعزيز المؤسسات: زيادة تمويل الطبابة الشرعية والنيابة العامة، كما حدث في الحادثة.
ويجب تدريب الشرطة على التعامل مع حالات العنف.
جـ. المراقبة والتقييم: إنشاء لجنة وطنية لمراقبة الانتهاكات، بالتعاون مع HRW لضمان الشفافية.
3- دور القوى المدنية:
نوصي المنظمات غير الحكومية مثل SNHR وUNFPA أن تقود حملات توعية، مثل "أصوات من سورية" التي ركزت على GBV في 2025. كما يمكن للمجتمع المدني إنشاء مراكز دعم في إدلب للأطفال المعرضين للخطر، مع التركيز على الدعم النفسي لـ 7 مليون طفل بحاجة.
كما يجب تشجيع التبليغ عبر خطوط ساخنة، كما حدث في الحادثة بادلب.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للقوى المدنية التعاون مع المنظمات الدولية لبرامج إعادة التأهيل، مثل تلك التي ساعدت الأطفال في المخيمات.
وفي سياق التحول، يجب الضغط على الحكومة لضمان مشاركة النساء في عملية صنع القرار، كما أوصت SNHR في 2025.
الخاتمة:
تكشف حادثة إيليف في إدلب عن التحديات المستمرة في سورية ما بعد الصراع، لكنها أيضاً فرصة للتغيير.
ومن خلال التوعية الأسرية، والإصلاحات القانونية، والتعاون بين السلطات والمجتمع المدني، يمكن بناء مجتمع يحمي أطفاله. إن الالتزام بحقوق الطفل ضرورة للاستقرار.
ولهذا فإننا في تيار المستقبل السوري ندعو جميع الأطراف إلى العمل الفوري لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، مستلهمين من تقارير اليونيسف التي تؤكد أن الاستثمار في الأطفال هو مفتاح المستقبل.
المراجع:
- Global Protection Cluster. "Advocacy Brief: An Overview of Gender-Based Violence in Syria – 2025." ReliefWeb, June 23, 2025. https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/advocacy-brief-overview-gender-based-violence-syria-2025. (الصفحات 1–5، نظرة عامة على العنف القائم على النوع الاجتماعي).
- Gökçe, Murat Bayram, and Murat G. Kırdar. "The Effects of Civil War and Forced Migration on Intimate Partner Violence among Syrian Refugee Women in Jordan." World Development 196 (2025): Article 107189. https://doi.org/10.1016/j.worlddev.2025.107189. (الصفحات 10–15، تأثير النزوح على العنف الزوجي).
- House of Commons Library. "Syria after Assad: Consequences and Interim Authorities 2025." Research Briefing CBP-10161. UK Parliament, July 23, 2025. https://researchbriefings.files.parliament.uk/documents/CBP-10161/CBP-10161.pdf. (الصفحات 10–15، العواقب الإنسانية والحقوقية).
- Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR). "The Future of Syria Is in the Balance: UN Commission Sounds Alarm on Renewed Violence amid Hopes." Press release, October 30, 2025. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/10/future-syria-balance-un-commission-sounds-alarm-renewed-violence-amid-hopes.
- Ro, Christine. "The Epidemic of Digital Violence against Syrian Women and Girls." Forbes, September 5, 2025. https://www.forbes.com/sites/christinero/2025/09/05/the-epidemic-of-digital-violence-against-syrian-women-and-girls/.
- Syrian Network for Human Rights (SNHR). "On the International Day for the Elimination of Violence against Women: SNHR’s 13th Annual Report on Violations against Females in Syria." November 25, 2024. https://snhr.org/blog/2024/11/25/on-the-international-day-for-the-elimination-of-violence-against-women-snhrs-13th-annual-report-on-violations-against-females-in-syria/. (الصفحات 5–8، توثيق الانتهاكات ضد الإناث).
- United Nations Children’s Fund (UNICEF). "Syrian Arab Republic Humanitarian Situation Report No. 16." October 2025. https://www.unicef.org/media/176821/file/UNICEF%20Syrian%20Arab%20Republic%20Humanitarian%20Situation%20Report%20No.%2016,%20%20October%202025.pdf.pdf. (الصفحات 2–4، احتياجات الأطفال الإنسانية).
- United Nations Population Fund (UNFPA). "Flash Update #1 on Coastal Area Violence in Syria." March 2025. https://www.unfpa.org/resources/flash-update-1-coastal-area-violence-syria-march-2025. (الصفحات 1–3، العنف في المناطق الساحلية).
- United Nations Population Fund (UNFPA). "Voices from Syria 2025: Assessment Findings of the Humanitarian Needs Overview." October 14, 2025. https://syria.unfpa.org/en/publications/voices-syria-2025-assessment-findings-humanitarian-needs-overview. (الصفحات 20–30، آراء النساء حول العنف القائم على النوع).
- United Nations Population Fund (UNFPA) and Whole of Syria GBV AoR. "Gender-Based Violence (GBV) Prevention and Response in Syria, January–June 2025." ReliefWeb. https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/gender-based-violence-gbv-prevention-and-response-syria-january-june-2025. (الصفحات 4–7، الاستجابة للعنف القائم على النوع).
- Whole of Syria Gender-Based Violence Area of Responsibility (GBV AoR). "Gender-Based Violence AoR: Syrian Arab Republic." Humanitarian Action, March 25, 2025. https://humanitarianaction.info/plan/1276/article/gender-based-violence-aor-0.
- "الأمن الداخلي في إدلب يوقف رجلاً بتهمة تعنيف طفلته وتعذيبها بالاشتراك مع زوجته," تلفزيون سوريا, في 7 يناير 2026، https://www.syria.tv/الأمن-الداخلي-في-إدلب-يوقف-رجلاً-بتهمة-تعنيف-طفلته-وتعذيبها-بالاشتراك-مع-زوجته.